الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(التَّثَاؤُبُ فِي الصَّلَاةِ وَالْعُطَاسُ مِنَ الشَّيطَانِ؛ فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْهُ"؛ رواهُ ابنُ أبي شيْبَةَ، عن يَزِيدَ بنِ أبي ظَبْيَاَن؛ وهو ضعيفٌ (1).
والاستعاذةُ عندَ الشيطانِ والشعورِ به والقُرْبِ مِن مَواضعِهِ مشروعةٌ، وهي كمشروعيَّةِ تخصيصِ الحَمدِ مِن أنواعِ الذِّكرِ بالقولِ عندَ تجدُّدِ النِّعْمةِ؛ لأنَّ مِن شُكرِها حَمْدَ اللهِ عليها؛ فلا يحتاجُ المؤمن إلى نَصِّ في كلِّ نعمةٍ تتجدَّدُ أنْ يخصَها بالحمدِ للهِ مِن دونِ الأذكارِ؛ كما أنه لا يحتاجُ إلى نصِّ في كلِّ قُرْب للشَّيْطانِ منه أن يَخُصَّهُ بالاستعاذةِ باللهِ منه مِن دونِ الأذكارِ والأدعيةِ؛ وذلك لأنَّ اللهَ عمَّمَ وقال:{وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .
مواضعُ الاستعاذةِ:
وقد جاء في الوحيِ بيانٌ لمواضعِ الشيطانِ مِن الإنسان، وشُرِعَتْ لها عندَها الاستعادةُ:
فمنها: الغَضَبُ؛ كما قال البنيُّ صلى الله عليه وسلم للغاضبِ: (إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَان، ذَهَبَ عنْهُ مَا يَجِدُ)(2).
ومنها: الحُلُمُ، كما قال صلى الله عليه وسلم:(الحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَان، فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلُمًا يَخَافُهُ، فَلْيَبْصُق عَنْ يَسَارِه، وَلْيَتَعَوَّذ بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا)(3).
ومنها: عندَ سماعِ نَهِيقِ الحَمِيرِ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: (إِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الحِمَارِ؛ فتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فَإِنَّهُ رَأَى شَيْطَانًا)(4).
(1) أخرجه بن أبي شيبة في "المصنف"(7985).
(2)
أخرجه البخاري (3282)، ومسلم (2610).
(3)
أخرجه البخاري (3292).
(4)
أخرجه البخاري (3303)، ومسلم (2729).
ومنها: عندَ الولادةِ ووضعِ الجَنِينِ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ في جَنْبَيْهِ بإِصْبَعِهِ حِينَ يُولَدُ، غَيْرَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ)(1)، وقد قالتِ امرأة عِمرانَ لمَّا وضَعَت مَرْيَمَ:{وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36]، ويكونُ التعوُّذُ للتخفيفِ مِن أثرِ الشيطانِ لا لمنعِه؛ لأنَّ اللهَ أقْدَرَهُ على الجميعِ إلَّا عيسى.
ومنها: خطَرات السُّوءِ التي يَستدرجُ بها الشيطانُ الإنسانَ ليُفسِدَ إيمانَهُ بربِّه؛ كما في قولِه صلى الله عليه وسلم: (يَأْتِي الشَّيْطَان أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ، فَلْيَسْتَعذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ)(2).
ومنها: ما جاءَ أنه مِن كيدِ الشيطانِ ووَسْواسِهِ بالإنسانِ؛ كالتفاتِ المصلِّي، وكذلك وَسْواسُهُ في صلاتِه، وحينَما اشتَكَى عثمانُ بن أبي العاصِ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم مِن ذلك، قال:(ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ: خَنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ، فَتَعَوَّذ بِاللهِ مِنْهُ، وَأْتْفِل عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا)؛ كما رواهُ مسلمٌ (3)، وفيه أن الإنسانَ قد يُحِسُّ بالشيطانِ؛ ولذا قال عثمانُ بن أبي العاصِ في هذا الحديثِ:"فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأذْهبَهُ اللهُ عَنِّي".
وفد تُستحَبُّ الاستعاذةُ من الشيطانِ في مواضِعَ لم يأتِ التصريحُ بعلَّتِها والحِكْمةِ منها:
كالاستعاذةِ قبلَ القراءةِ في الصلاةِ وخارجَها، وظاهرُهُ: أنه صَرْفٌ للشَّيْطانِ أن يقطَعَ عنه تدبُّرَةُ وتأمُّلَهُ وحضورَ قَلْبِه، ولا يُشكِلُ على هذا: أنَّ قراءةَ القرآنِ في نفسِها مُنفَّرةٌ للشيطانِ؛ وذلك أنَّ الاستعاذةَ سابِقةٌ للقراءة، صارفةٌ لحضورِ الشيطانِ ولو في أولِ القراءة، وهي تتضمَّنُ الدعاءَ والالتجاءَ إلى الله، وقد يكونُ في ذلك حِكَمٌ أُخرى اللهُ أعلَمُ بها.
(1) أخرجه البخاري (3286).
(2)
أخرحه مسلم (134).
(3)
أخرجه مسلم (2203).
ويُشبِه هذا الاستعاذةُ عندَ دحولِ المسجدِ؛ كما في "السُّننِ"؛ مِن حديثِ عبد اللهِ بنِ عمرٍو؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ، قَالَ:(أعُوذُ بِاللهِ الْعَظِيم، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيم، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيم، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)(1). وعندَ ابنِ ماجَة يقولُ: (اللَّهُمَّ اعصِمْني مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ) عندَ الخروجِ مِن المسجدِ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ (2).
والاستعاذةُ عندَ كلِّ موضعٍ يكونُ فِيه شيطانٌ دَلَّ الدليلُ على ذلك، دليلٌ مِن جنسِ التسبيحِ عندَ تنزيهِ الله مِن ألفاظِ وأفعالِ النقصِ ولو لم يَرِدْ في عَينِ الألفاظِ والأفعالِ حُكْمٌ خاصٌ، ومِن جنسِ الصدقة بعدَ السيِّئة، ومِن جنسِ قولِ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، عندَ التلبُّسِ بقولِ الكُفْرِ وفعلِهِ ولو مِن غيرِ قصدٍ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم:(مَن حَلَفَ فَقَالَ في حَلِفِهِ: وَاللَّاتِ وَالعُزَّى، فَلْيَقُل: لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أقامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّق)(3).
وأما القولُ بعدمِ مشروعيَّةِ الاستعاذةِ عندَ التثاؤبِ؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بيَّنَ أنَّ التثاؤْبَ مِن الشيطانِ وأمَرَ بكَظْمِهِ حَسَبَ الاستطاعة ولم يُرشِدْ إلى الاستعاذة، كما أرشَدَ عثمانَ بنَ أبي العاصِ عندَ إحساسِهِ بالشيطانِ يَحُولُ بينَهُ وبينَ صلاتِه، فأمَرَهُ بالاستعاذةِ والتَّفْلِ: فهذا ككثيرِ مِن النِّعَم التي يذكُرُها اللهُ ويذكُرُ أنَّها مِن عِنْدِهِ ولا يَنُصُّ على الحمد، فليس كلُّ نِعْمةٍ يذكُرُ أنَّها مِن اللهِ ولا يأمُرُ بالحمدِ عندَ ذِكرِهِ لها: لا يُشرَعُ الحمدُ لذلك؛ كما أنه ليس كلُّ عملٍ يذكُرُ اللهُ أنه مِن الشيطانِ ولا يأمُرُ بالاستعاذةِ منه عندَ ذِكرِهِ له: لا يُشرَعُ له الاستعاذةُ؛ لكثرةِ الأنواعِ وتعدُّدِها، فاكتُفِيَ بالأمرِ العامِّ.
* * *
(1) أخرجه أبو داود (466).
(2)
أخرجه ابن ماجه (773).
(3)
أخرحه البخاري (4860)، ومسلم (1647).