الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإخلاص، وإنَّما قدمَ اللهُ التضرُّعَ على الإخفاءِ؛ لأنَّ المقصودَ مِن الإخفاءِ حصولُ التضرُّعِ والخشوع، وبالتضرُّع تتحقَّق الغايةُ مِن
إخفاءِ العبادةِ
وإسرارِها، فلا يتضرَّعُ إلَّا مُخلِصٌ، وقد يُخفِي العبدُ عِبادتَهُ وقلبُهُ حاضرٌ مع الناسِ.
إخفاء العبادةِ:
وفي الآيةِ: مشروعيةُ إخفاءِ العِبادةِ وسؤالِ العبدِ لربِّه؛ ففي ذلك نزع لعلائقِ الرِّياءِ مِن القلب، وغايةُ الاتِّكالِ على الله، واليقينُ بسماعِهِ وإجابتِه، وعبادةُ السِّرِّ تطهِّرُ عبادةَ العلانيَةِ مِن علائقِ الخَلْق، ولا يتحقَّقُ الإخلاصُ في قلبِ أحدٍ إلَّا وله نصيبٌ مِن عبادةِ السِّرِّ بينَهُ وبينَ رَبِّهِ لا يَعلَمُ بها أحدٌ، ولا يُبتلَى أحدٌ بالرياءِ إلَّا لأنَّ نصيبَهُ مِن عبادةِ السِّرِّ قليلٌ أو معدومٌ؛ فعن الزُّبَيْرِ بنِ العوَّام؛ قال:"مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَبْءٌ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ، فَلْيَفْعَلْ"(1).
تفاضُلُ إسْرارِ العبادةِ وإعلانِهَا:
وتختلفُ العباداتُ في فضلِ إسرارِها وإعلانِها، والأصلُ: أنَّ إسرارَ العبادةِ أفضَلُ مِن إعلانِها، ويُستثنى مِن الأسرارِ عباداتٌ دَلَّ الدليلُ على إعلانِها، وما يُستحبُّ إعلانُهُ له علاماتٌ:
الأُولى: العباداتُ الواجبةُ: الأصلُ فيها استحبابُ الإعلانِ؛ كالصلواتِ المفروضةِ والزكاةِ - بخلافِ الصَّدَقةِ - وصومِ رمضانَ والحجِّ والأذان، وكلَّما كانتِ العبادةُ أشدَّ في الوجوبِ والفَرْضِيَّة، فإعلانُها آكَدُ ممَّا هو دونَها؛ لأنَّ الفرائضَ شرائعُ تحتاجُ إلى إعلان، وبإعلانِها يقومُ
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(34625).
الدِّينُ، ويُعرَفُ بلدُ الإسلامِ مِن بلدِ الكفرِ، ويتمايَزُ الناسُ ويَشهَدُ بعضُهُمْ لبعضِ بالخيرِ والعدالةِ.
وقد شرَعَ اللهُ للصلواتِ الخمسِ الأذانَ، وبه يقومُ الناسُ إلى الصلاةِ ويَشْهَدونَها ويَرى بعضُهم بعضًا، ومِثِلُهُ الزكاةُ: يُظهِرونَ حصادَهُمْ، ويَسْألونَ عن الفقير، ويَجْمَعُها السُّلْطانُ إن شاءَ منهم، وكذلك صومُ رمضانَ؛ يتراءَى الناسُ الهلالَ ويَتباشَرونَ به وَيدْعو بعضُهم بعضًا إلى الطعامِ فِطْرًا وسحورًا، وكذلك الحجُّ: مشهودٌ، ويَحْسِرُ الرِّجالُ عن رؤوسهم تذلُّلًا للهِ ولِيرَى بعضُهم بعضًا مجتمعين؛ والنِّساءُ يَحسِرْنَ وُجُوهَهن بينَهُنَّ، ولا يُستحَبُّ أنْ يَستتِرَ الواحدُ منهم عن الناسِ.
الثانية: الجماعةُ؛ فكلُّ عبادةٍ شرَعَ الله لها الاجتماعَ، فإعلانُها أفضَلُ مِن إسرارِها ولو كانتْ في ذاتِها غيرَ واجبةٍ؛ كصلاةِ الاستسقاءِ ومجالسِ الذِّكْرِ والتعليمِ وصلاةِ العيدَيْنِ على قولٍ، وجهادِ الطلَبِ، ولم تُشرَعِ العبادةُ جماعةً إلَّا وإشهارُها مقصودٌ، فإذا اجتمَعَ مشروعيَّةُ الجماعةِ مع وجوبِها، كان ذلك آكَدَ في إعلانِها.
الثالثة: مَن يُقتدَى به؛ فالأفضَلُ له إعلانُ عملِهِ ما لم يَخَفْ على نفسِه، وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ"(1)، وقال صلى الله عليه وسلم:(مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا)(2).
ولمَّا كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم قُدْوةً للناسِ كافَّةً، كان عملُهُ كلُّه تُشرَعُ فيه العلانيَةُ، ولم يثْيُتْ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يَستتِرُ عن أعيُنِ الناسِ بعبادتِه، فلو استَتَرَ، لم يَتعلَّمِ الناسُ دِينَهُمْ؛ لأنَّه مبلِّغٌ عن الله، ولكنْ كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يطلُبُ الخَلْوةَ بربِّه لَتشريعِ ذلك لأُمَّتِه.
(1) أخرجه مسلم (1893).
(2)
أخرجه مسلم (1017).
والناسُ يَختلِفونَ في الاقتداءِ بهم، وأَثَرِهم على الناسِ؛ فمنهم: مَن يُؤثِّرُ في أهلِ بيتِه، ومنهم: مَن أثرُهُ في حيِّه أو بلدِه، ومنهم: مَن هو قُدْوةٌ لدى أكثرِ المُسلِمينَ كالأئمَّةِ؛ فيُستحَبُّ أنْ يُعلِنوا بعضَ العباداتِ التي الأصلُ فيها السِّرُّ، ويَجعَلُوا لهم مِن عادتِهم لربِّهم في الخَفَاءِ ما تزكو به علانيَتُهم، ومَن لا يُقتدَى به، فلا مصلحةَ مِن علانيةِ عبادتِهِ إلَّا ما يذكِّرُ له الناسَ؛ فبهذا القَدْرِ يُشْرَعُ.
ومقصدُ التعليمِ وعِظَمُ أثَرِهِ أعظَمُ مِن مقصدِ الإسرارِ؛ لأنَّ تعليمَ الحقِّ والخيرِ هو الغايةُ مِن إرسالِ الرُّسُلِ؛ ولهذا كان بعضُ السلفِ يتكلَّفُ الجهرَ بما دَلَّ الدليلُ على الإسرارِ به؛ لأجلِ التعليمِ؛ كما جهَرَ عمرُ بدعاءِ الاستفتاحِ للصلاةِ لأجلِ تعليمِ الناسِ (1)، وكان ابنُ عمرَ وأبو هريرةَ يَجْهَرانِ بالاستعاذة، وكان ذلك منهم في القليلِ لا في الكثيرِ؛ بما يؤدِّي مقصدَ التعليم، ولا يضيِّعُ شريعةَ الإسرارِ.
الرابعةُ: ما سمَّاهُ الشارعُ شَعِيرةً؛ كالهَدْيِ والقلائدِ والتَّلْبِيْة، ومقتضى كونِهِ شَعْيرةً أنَّ إشهارَهُ سُنَّةٌ، والتعبُّدَ بإسرارِهِ بِدْعةٌ، ويَلحَقُ في ذلك ما شابَهَه في عملِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أو أصحابِه؛ كالجهرِ بالتكبيرِ في أيَّامِ العشرِ وأيَّامِ التشريقِ؛ فقد كان عمرُ يُكبِّرُ بمِنًى فتَرتَجُّ مِنًى تكبيرًا (2)، وكان ابنُ عمرَ وأبو هريرةَ يُكبِّرانِ في السوقِ في عشرِ ذي الحِجَّةِ (3).
والأصلُ في نوافلِ الطاعاتِ والقُرُباتِ: السِّرُّ، وهو أفضَلُ مِن العلانيَةِ؛ كما تواتَرَتِ الأدلَّةُ به، سواءٌ كان قراءةَ قرآنٍ أو صدقةً أو ذِكرًا لله، قال تعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(8851).
(2)
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(3/ 312).
(3)
أخرجه البخاري معلقًا في حديث (969).