الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومنهم: مَن جعَلَهما معهما جميعا؛ تُغسلانِ مع الوجهِ عندَ غسلِه، وتمسَحانِ مع الرأسِ عندَ مسحِه؛ وهذا أضعفُ الأقوالِ.
غَسْلُ الرجلَينِ:
وقوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} ، فيه وجوبُ غَسلِ الرجلَينِ إلى الكعبَين، ويدخُلُ الكعبانِ في الغَسْلِ كما يدخلُ المرفقان مع اليدَين، ولما كانتِ الرجلانِ آخِرَ أعضاءِ الوضوء، وتَعُم البلوى بتلبسهما بالترابِ وقَذَرِ الأرض، ويتساهلُ بهما الناسُ أكثَرَ مِن تساهُلِهم بغيرِهما؛ جاء التشديد في الحديث فيهما، وإلا فالتشديدُ للأعضاءِ جميعا، ولكن النصوصَ تأتي فيما يَتهاونُ الناس فيه غالبا ولو أخَذَ غيرُهُ مِثلَ حُكمِه، وفي "الصحيحَينِ"؛ مِن حديثِ عبد اللهِ بن عمرو (1) وأبي هريرةَ (2)، مرفوعا؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيمَن ترَكَ لُمْعةً في قدمِهِ:(وَيل لِلأعقابِ مِنَ النارِ)، وقد كان الصحابةُ يَحرِصونَ على غسلِ القَدَم أكثَرَ مِن غيرِها، وصح عن ابنِ عمرَ أنه كان يغسلُ قدميهِ بأكثرِ وضوئه (3)، وصح عنه أنه يغسلهما سبعًا سبعًا (4)؛ روى ذلك عنه نافع.
وفي الآيةِ قراءتان؛ الأولى بفتحِ اللامِ في قوله: {وَأَرْجُلَكُمْ} عطفا على قوله: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} ، وبكسرِ اللامِ عطفًا على قوله، {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} ، والأولى للغَسل، والثانية للمَسحِ.
وكان أحمد يعبدُ آخِرَ الآيةِ في حكمِ الرِّجْلَينِ إلى أوَّلها في قولهِ: {فَاغْسِلُوا} ، ولما سُئِلَ عمن مسَحَ رجلَيه، قال: لا يجزِئُهُ،
(1) أخرجه البخاري (60)(1/ 22)، ومسلم (241)(1/ 214).
(2)
أخرجه البخاري (165)(1/ 44)، ومسلم (242)(1/ 214).
(3)
أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(76)(1/ 25).
(4)
أخرجه ابن المنذر في "الأوسط"(2/ 50).
يعود إلى أوَّل الآية (1).
وفي الآيةِ: تنبيه على وجوبِ ترتيب أعضاءِ الوضوء، وبالآيةِ استدل أحمدُ على ذلك؛ كما نقَلَ عنه ابنُهُ عبد الله أنه سألهُ عن رجلِ أرادَ الوضوءَ، فاغتمَسَ بالماءِ يجزيه؟ قال: أمَّا مِن الوضوءِ فلا يجزيه حتى يكون على مخرجِ الكتابِ وكما توضَّأ النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك نقلَهُ عنه ابنُهُ صالح من "مسائله"، قال أحمد: فرضه الله في القرآنِ تأليف شيءٍ بعد شيء (2). والترتيب واجب على الصحيحِ مِن أقوالِ العلماءِ؛ وذلك مِن وجوه:
الأول: أن ترتيب الذِّكرِ قرينة على ترتيبِ الفِعلِ في القرآنِ؛ ويؤيِّدُ ذلك: أنَّ اللهَ أدخَلَ ممسوحا -وهو الرأسُ - بينَ مغسولات؛ لبيانِ قصدِ الترتيب بينَ الأعضاءِ.
الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم فسَّر الآيةَ بدوام الترتيب، فمع وضوئِهِ لكلِّ صلاة وكثرةِ وقوعِ ذلك منه وتعدُّدِ الرواياتِ الصحيحة، لم يصح أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يرتب، والتيسير مَقصَد مِن مقاصدِ الشريعة، والفعلُ متكرِّرٌ في اليومِ مرَّات، ولما لم يُخالِف، دل على قصدِ الترتيبِ ووجوبِه.
الثالثُ: أن النبي صلى الله عليه وسلم يسّر في عدمِ الترتيب بينَ أعضاءِ التيمم، فصحتِ الرواياتُ في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي الجُهَيْم، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"فَمسَحَ بِوَجهِهِ وَيَدَيه"(3)، وفي حديثِ عمارِ؛ في "الصحيحَين":"مَسَحَ بِهِمَا وَجهَهُ وَكَفيهِ"(4)، وفي رواية لمسلمٍ مِن حديثِ عمَّار؛ قال فيه: "ضَرَبَ بِيَدَيه الأرضَ ضَربَة وَاحِدَةً، ثم مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى اليَمِين، وَظَاهِرَ
(1)"مسائِل صالح"(27).
(2)
"مسائل عبد الله"(27)، و"مسائل صالح"(339).
(3)
أخرجه البخاري (337)(1/ 75)، ومسلم (369)(1/ 281).
(4)
أخرجه البخاري (338)(1/ 75)، ومسلم (368)(1/ 280).
كَفيه، وَوَجهَهُ" (1)، مع أن آيةَ التيممِ بدأت بالوجهِ:{فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} ، ومع قلةِ التيممِ وقوعًا منه صلى الله عليه وسلم، ومع هذا صَحتِ الروايةُ بالتقديم والتأخير، وهي وإن كان بعضُها رُوِيَ بالمعنى، فإن الراويَ إن تساهَلَ في تقديمِ شيء على شيء، دل على فهمِه التيسيرَ منه؛ ولذا فالرواةُ يُشدِّدونَ في أبوابِ ترتيب أعضاءِ الوضوءِ عندَ روايتها مع كثرتِها.
وبعضُهم يستدِلُّ برواياتِ عدمِ الترتيب في التيمُّمِ في بعضِ الأحاديثِ على جوازِ عدمِ الترتيبِ في الوضوءِ.
وهذا فيه نظر؛ فدَلالتُها على عكسِ ذلك أظهَر وأشد، وحق رواياتِ الوضوءِ أن تنقَلَ على عدمِ ترتيب أَولى مِن التيمم، ومع ذلك أحكِمتْ في "الصحيحَيْنِ" وعامَّةِ الرِّوايةِ الصحيحةِ خارجَه على ترتيب الأعضاءِ كما في القرآن، وورودُ تقديم وتأخيرِ في التيمُّمِ دال على التشديدِ في الوضوء والتخفيفِ في التيمم، لا أن إحكامَ رواياتِ الوضوءِ دالٌّ على التشديدِ في أعضاءِ التيمم، ولا أنَّ اختلافَ روايات التيممِ دال على التساهُلِ في أعضاءِ الوضوءِ؛ فالتحقيق بينَ ذلك.
الرابع: أن اللهَ ابتدَأ بالأمرِ بغَسلِ الوجهِ في الآية، ولو لم يُقصَدِ الترتيب، لكان غسلُ اليدَينِ إلى المرفقينِ أيسَرَ للمتوضئِ؛ لأن يدَه أولُ ما يقعُ في الماء، وإنهاؤُها أقرَب وأيسر عليه مِن جهةِ النظرِ المجرَّدِ للتقديم، ولكن قُصِدَ الترتيب لحِكمة، فانتقلَ لبداءةِ بالوجهِ على اليدَيْن، واللهُ أعلَمُ.
وبوجوبِ الترتيبِ قال غير واحد مِن السلفِ؛ كما صحَّ عن ابنِ المسيبِ.
(1) أخرجه مسلم (368)(1/ 280).