الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أصحابِهِ مُحتقِرًا لقُوَّتِهم وعَدَدِهم، وكان ذلك سببًا لقوةِ عزائمِ المؤمنينَ وقلوبهم، وثَبَاتِ أقدامِهم؛ فإنَّ القلوبَ إنْ ثَبَتَتْ، ثبَتْ تَبعًا لها البَدَنُ.
وفي هذه الآيةِ: وجوبُ ثباتِ أميرِ الجندِ؛ فبِثاتِهِ يثُبتُ أتباعُه، ومِن خوفِهِ يَخافون؛ لأنَّه يَعلَمُ مِن العدوِّ ما لا يَعلَمونَ، وَيعلَمُ مِن قوَّتِهم ما لا يَعلَمُونَ، فالجنديُّ يعلَمُ قوَّةَ نفسِه، لكنَّه لا يعلَمُ قوةَ حميعِ الجيشِ؛ ولهذا: ثَبَّتَ اللهُ نبيَّهُ بتقليلِ عددِ المشركينَ في عيَنْهِ ليَظهَرَ على وجهِه البِشْرُ والثباتُ والفرحُ، فلا تَغلِبَهُ الشَّفَقَةُ على نفوسِ المؤمِنينَ أن يُستأصَلُوا ويُبادوا، أو يُغلَبُوا ويُؤسَرُوا؛ قال تعالى في ذلك:{وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ} قال مجاهدٌ: "لَفَشِلْتَ أَنْتَ، فَرَأى أَصْحَابُكَ فِي وَجْهِكَ الفَشَلَ، فَفَشِلُوا"(1).
تحقيرُ العدوِّ في أعْيُنِ الجُنْدِ:
وفي هذا: مشروعيَّةُ تحقيرِ قوَّةِ المشرِكينَ في أعيُنِ الجُنْد، تثبيتًا لعزائمِهم وقلوبِهم وأقدامِهم؛ فإنَّ الخوفَ والهَلَعَ عندَ التقاءِ الصفوفِ شديدٌ، وإذا كان المشرِكونَ أكثَرَ عَدَدًا وعَدَدَا، هُزِمَتِ النفوسُ ثُمَّ غُلِبَتْ، ونصرُ اللهِ لنبيِّه كان بقُوَّةِ القلوبِ أكثَرَ مِن قوةِ الأبدان، وهكذا أصحابُهُ مِن بعدِه.
وتحقيرُ العدوِّ وعَدَدِه وعَتادِهِ على نوعَيْنِ:
الأوَّلُ ة تحقيرُ العدوِّ لأجلِ التغريرِ بالجندِ؛ كمَنْ يحقِّرُ العدوَّ ويضعِّفُ قوَّتَهُ المُهلِكةَ في نفوسِ المؤمنِينَ؛ ليَثُبتَ المؤمنونَ على ما لا قِبَلَ لهم أنْ يثبُتُوا عليه لقِلَّةِ عَدَدِهم وعتادِهم، فيغرِّرُ بهم فيَهلِكونَ ويُؤسَرونَ.
فهذا لا يجوزُ؛ وهو مِن الكذبِ المُحرَّمِ؛ لأنَّ المَفسدةَ فيه ظاهرةٌ،
(1)"تفسير ابن أبي حاتم "(5/ 1709)
ونَصْرَ العدوِّ فيه متحقِّقٌ، فتحقيرُهُمْ كان لحَظَّ المشرِكِينَ، وهو تحقيرٌ في صورةِ استدراجِ؛ ليتمكَّنَ العدوُّ مِن المؤمنِينَ، فذلك لا يجوزُ ولو حَسُنَ قصدُ أميرِ الجندِ وقائدِهم.
ومَن رأى قوةَ الكافرينَ، وتيقَّنَ أنَّ فيهم قُوَّة وعُدَّةً وعَدَدًا مِثْلُهم لا يُنتصَرُ عليه ولو ثبَتَتِ الأقدامُ وقَوِيَتِ العزائُم فيجبُ عليه إخبارُ الجندِ بحقيقةِ ذلك، ولهم أن يَثبُتوا، ولو قُتِلوا فهم شُهَداءُ، ولهم أن يَنحازُوا أو يَتحرَّفُوا إلى فئةٍ مِن المؤمنِينَ.
الثاني: تحقيرٌ لأجلِ الثَّبات، واحتمالِ الغلَبةِ للمؤمنِينَ، فيُشرَعُ تحقيرُ عَدَدِ العدوِّ وعُدَّتِه؛ لِتَقْوَى عزائمُ المؤمنينَ، ويُربَطَ على قلوبِهم، وتثُبتَ أقدامُهم؛ فإنَّ ذلك يعوِّضُ ما يَفُوقُهم عدوُّهم به مِن العَدَدِ والعُدَّةِ؛ فالثابتُ الواحدُ قد يَغلِبُ عشَرةَ، وقد يَغلِبُ الثابثُ بعَصَاهُ عدوَّهُ ولو كان معه سَيْفٌ؛ فإنَّه إذا ضَعُفَ قلبُ الإنسان، لم يُحسِنْ تدبيرَ ما بيدَيْه، كما في القُدْسِ اليومَ: بقتُلُ المُسلم اليهوديَّ بحجرِ وسلاحُ اليهوديِّ بيدَيْه.
وفي قوله تعالى: {وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} دليلٌ على أنَّ بعضَ الخلافِ الذي يقعُ بينَ المُسلِمينَ في الثغورِ هو بسببِ الدُّنيا وحُبِّ السلامةِ فيها، وهذا وهُمْ في ثُغورٍ، فاللهُ بيَّنَ أنه سلَّمَ المؤمنينَ مِن النِّزاعِ والخلافِ بسببِ دَبِّ الخوفِ فيما بينَهم مِن أن يُغلَبوا، ولأجلِ ذلك تختلِفُ آراؤُهم وَينسحِبُ قومٌ ويَضطربُ آخَرونَ، ولو ثبَتَتْ عزائمُهم وقلوبُهم واحتقَرُوا عدوَّهم مع احتمالِ نصرِهم، لانتصَرُوا بنصرِ اللهِ لهم.
وفي قولِه تعالى: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} ، ذكَرَ الصدورَ ولم يذكُرِ اللهُ الأمورَ الظاهرةَ الماديَّةَ مِن عَدَدٍ وعُدَّةٍ؛ لأنَّ النصرَ بسلامةِ الصدر، وإنْ لم تصلُحِ القلوبُ والنفوسُ، لم تَنتفِعْ بقوَّتِها مهما بلَغَتْ.
* * *
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45].
تقدَّمَ الكلامُ قريبًا على الثَّبَاث، وتحريمِ الفِرَارِ مِن الزَّحْف، وحُكْمِ التحيُّزِ والتحرُّفِ إلى فِئةٍ.
وفي هذه الآيةِ: مشروعيَّةُ ذِكرِ اللهِ عندَ القتالِ؛ فإنَّه مِن أعظَمِ المثبِّتاتِ؛ فإنَّ اللهَ إذا حضَرَ ذِكرُهُ في القلب، وتعلَّقَتِ الأفعالُ به وصدَقَتْ وأخلَصَت لله، فإنَّ اللهَ يُعِينُها ويَكْفِيها ويسدِّدها، فإن كفايةَ اللهِ لعبِدِهِ بمِقْدارِ عبوديَّتِهِ له.
ولمَّا كان التقاءُ الصَّفَّيْنِ أحوَجَ ما يكونُ فيه المُقاتِلُ إلى عَوْنِ اللهِ وتسديدِه، شُرعَ له التجرُّدُ والخلُّصُ مِن كلِّ مذكورٍ إلَّا اللهَ، وقد استُحِبَّ الصمتُ عندَ لقاءِ العدِّو، فعن عبد اللهِ بنِ عمرٍو؛ قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (لَا تتَمَنَّوْا لِقَاء الْعَدُوّ، وَسَلُوا اللهَ الْعَافِيَة، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاثْبُتُوا وَاذْكرُوا اللهَ، وَإنْ أجْلَبُوا وَصَاحُوا فَعَلَيْكُمْ بِالصَّمْتِ)(1).
وفي الطبرانيّ، مِن حديثِ زيدِ بنِ أَرْقَمَ، مرفوعًا؛ قال:(إنَّ اللهَ عز وجل يُحِبُّ الصَّمْتَ عِنْدَ ثَلَاثٍ: عِنْدَ تِلَاوة الْقُرْآن، وَعِنْدَ الزَّحْفِ، وَعِنْدَ الْجِنَازَةِ)(2).
وفي حديثٍ قدسيِّ: (إِنَّ عَبْدِي كُلَّ عَبْدِيَ الَّذِي يَذكُرُنِي وَهُوَ مُلَاقٍ قِرْنَهُ)(3).
وفيها كلامٌ، وأصلُ حديثِ عبد اللهِ بنِ عمرٍو في "الصحيحَيْنِ"؛ من
(1) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(9518)، وابن أبي شيبة في "مصنفه"(33418)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(9/ 153).
(2)
أخرجه الطبراني في "الكبرى"(5130).
(3)
أخرجه الترمذي (3580).