الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ -قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَلَا يَنْظُرُ إِليْهِمْ - وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ) (1).
ويوسُفُ عظَّمَ الذنبَ مِن جهتَيْه: مِن جهةِ حقِّ الله، ومِن جهةِ حقِّ المخلوقِ عليه.
حُكْمُ الوَعْظِ بوازِعِ الطَّبْعِ:
وفي هذا: دليلٌ على جوازِ الاستِدلالِ بوَازِعِ الطبعِ على الإقلاعِ عن المحرَّم، ولكنَّ الكمالَ ألَّا يُذكَرَ إلَّا بعدَ وازِعِ الشرع، وهو الخوفُ مِن الله، وأنَّه يجوزُ وعظُ الناسِ للإقلاعِ عن المحرَّمِ بوازعِ الطبعِ؛ كقولِ: لا يصحُّ مِن العربِ ولا أخلاقِهم الخيانةُ والغدرُ والفجورُ؛ وذلكَ أنَّ طلبَ الإقلاعِ عن المحرَّمِ أهوَنُ مِن طلبِ الامتثالِ بالعبادة، وأعظَمُ الغاياتِ في الحرامِ هو أن يُترَكَ، وأعظَمُ الغاياتِ مِن فعلِ العبادةِ إخلاصُها للهِ؛ فإنَّ الحرامَ لو ترَكَهُ الإنسانُ لغيرِ الله، لم يَأْثَمْ، لكنَّه لا يُؤجَرُ، ولكنَّ العبادةَ لو فعَلَها أحدٌ لغيرِ الله، أشرَكَ بفعلِه ذلك، بل تركُهُ لها خيرٌ مِن إنشائِها لغيرِ اللهِ.
ولا بجوز أن يُوعَظَ الناسُ بالطبعِ المجرَّدِ عن قصدِ التعبُّدِ بفعلِ العبادات، ولكنْ يصحُّ تَبَعًا؛ كأنْ يأمُرَهُ بالصلاةِ والصيامِ والحجِّ ويُذكِّرَهُ بحقِّ اللهِ ووجوبِ الوفاءِ له بامتثالِ أمرِه، ثم يذكُرَ فضلَ قومِهِ وأخلاقَهُمْ وصِدقَهُمْ وعادتَهُمْ للهِ.
ويَدُلُّ على جوازِ الوعظِ للإقلاعِ عن المحرَّمِ بوازعِ الطبعِ قولُهُ صلى الله عليه وسلم: (مَنِ اتَّقَى الشُّبُهَات، اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ)(2)؛ يعني: حتى لا يقَعَ الناسُ فيه؛ فعليه أنْ يَحمِيَ عِرْضَهُ بتَرْكِ الشُّبُهاتِ.
(1) أخرجه مسلم (107).
(2)
أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599).
وقال تعالى: {الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا} ، ولم يقُلْ:"في بيتِ العزيزِ"؛ إشارةً إلى أنَّ المرأةَ سيِّدةٌ في بيتِها، ولمَّا ذكَرَ اللهُ العزيزَ، قال:{وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ} [يوسف: 25]؛ يعني: أنَّ المرأةَ سيَّدةٌ في بيتِها، والزوجَ سيِّدٌ على زوجتِه؛ كما جاء في حديثِ أبي هريرةَ عندَ ابنِ السُّنِّيِّ (1):"وإذا حضَرَتْ سيادةُ الزوج، غابتْ سيادةُ المرأةِ"، كما يأتي في الآيةِ التاليةِ.
* * *
قال تعالى: {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَو عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يوسف: 25].
في قولهِ تعالى: {سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ} ؛ يعني: زَوْجَها، قال:"سيِّدَها"، ولم يقُل:"سيِّدَ مصرَ"؛ لأنَّ السِّياقَ سياقُ خصومةٍ ونِزاعٍ، وهو وزوجتُهُ طرَفٌ فيه، فلا ينبغي حضورُهُ في باسمِ عزيزِ مصرَ وسيِّدِها؛ حتى يتمَّ العدلُ فلا يُبخَسَ حقُّ الأضعَف، ولكنْ لم يقَعْ ذلك؛ فحضَرَ في الأمرِ باسمِ سيِّدِ مصرَ ومكانتِهِ فيها، فظُلِمَ يوسُفُ عليه السلام، والواجبُ عندَ التقاضي والخصوماتِ: أنْ تُنزَعَ الألقابُ.
وفي قوله تعالى: {سَيِّدَهَا} إشارةٌ إلى سيادةِ الزوجِ على امرأتِه، وسيادتِها على بيتِه، فبعدَما قال في الآيةِ السابقةِ:{هُوَ فِي بَيْتِهَا} [يوسف: 23]، فنسَبَ البيتَ إليها، فلمَّا جاءَ زوجُها، قال:{سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ} ، وفي هذا إنكارُ ما أُخِذَ مِن عادةِ الغَرْبِ اليومَ مِن تسميةِ نساءِ المُلُوكِ بسيِّدةِ الدَّوْلةِ والبلدِ؛ فإنَّ اللهَ جعَلَ امرأةَ العزيزِ سيِّدةَ بيتِها
(1) سيأتي تخريجه.
فحَسْبُ، ولا يتعدَّى شأنُها ذلك، كسائرِ النِّساءِ في بيوتِهنَّ.
ويُروى عن زيدِ بنِ ثابتٍ؛ أنه قال: "الزوجُ سيِّدٌ في كتابِ الله، ثم قرَأ: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ}؛ السيِّدُ: الزوجُ"(1)، ويُروى عندَ ابنِ السُّنِّيِّ؛ مِن حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ نَفْسٍ مِنْ بَنِي آدَمَ سَيِّدٌ، فَالرَّجُلُ سَيِّدُ أَهْلِه، وَالمَرْأَةُ سَيِّدَةُ بَيْتِهَا)(2).
وقد كانتِ المرأةُ مِن السلفِ تسمِّي زوجَها سيِّدًا؛ كما روى مسلمٌ؛ مِن حديثِ طَلْحةَ بنِ عُبيدِ اللهِ بنِ كَرِيزٌ؛ قال: حَدَّثَتْنِي أُمُّ الدَّرْدَاء، قَالَتْ: حَدَّثَنِي سَيِّدِي -تعني: زوجَها أبا الدرداءِ-: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (مَنْ دَعَا لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْب، قَالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ)(3).
وسيادةُ الزوجِ على زوجتِهِ هي قِوامتُهُ التي جعَلَها الله، وتقدَّمَ الكلامُ على ذلك عندَ قولِهِ تعالى:{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34].
وسيادةُ الزوجِ على زوجتِهِ تكليفٌ يتضمَّنُ تشريفًا، وليس تشريفًا يتضمَّنُ نكليفًا؛ لأنَّ الأولَ غُرْمُهُ أعظَمُ مِن غُنْمِه، والثانيَ غُنمُهُ أعظَمُ مِن غُرْمِه، وكذلك بالنسبةِ لسيادةِ المرأةِ في بيتِها، فإنَّه تكليفٌ يتضمَّنُ تشريفًا؛ كما في "الصحيحِ"؛ قال صلى الله عليه وسلم:(الرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِه، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا)(4).
والمرأةُ لدى الرجُلِ كالأَسِيرَةِ العانِيَة، كما في الحديثِ؛ قال صلى الله عليه وسلم: (اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا؛ فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ، لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا
(1)"تفسير الطبري"(13/ 102).
(2)
أخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة"(388).
(3)
أخرجه مسلم (2732).
(4)
أخرجه البخاري (893).
غَيْرَ ذَلِكَ) (1)، وقالتْ أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ:"النِّكَاحُ رِقٌّ؛ فلْينظُرْ أحدُكم عندَ مَن يُرِقُّ كريمتَه"(2).
وإنَّما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذلك؛ للتنبيهِ على عِظَمِ حقِّها، ووجوبِ الرحمةِ بها؛ فإِنَّ أخلاقَ العظماءِ تتَّضحُ مع نسائِهم؛ كما قال صلى الله عليه وسلم:(خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِه، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي)(3) فإِنَّ كلَّ أحدٍ يستطيعُ تصنُّعَ الخُلُقِ الحسَنِ مع الغُرَباء، ولكنْ تَظهَرُ الأخلاقُ مع الأهلِ؛ لأن الخُلُقَ الدائمَ لا يُمكِنُ أن يُتصنَّعَ.
* * *
اختُلِفَ في الشاهدِ الذي شَهِدَ على امرأةِ العزيزِ:
فمنهم مَن قال: إنَّه صبيٌّ نَطَقَ في مَهْدِه؛ وهذا رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسِ (4)، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ (5)، والحسنِ (6).
ومنهم مَن قال: إنَّه مِن غيرِ الإنس، وبهذا قال مجاهدٌ (7).
(1) أخرجه الترمذي (1163)، والنسائي في "السنن الكبرى"(9124)، وابن ماجه (1851).
(2)
أخرجه سعيد بن منصور في "سنته"(591).
(3)
أخرجه الترمذي (3895).
(4)
"تفسير الطبري"(13/ 107)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(7/ 2128).
(5)
"تفسير الطبري"(13/ 105)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(7/ 2128).
(6)
" تفسير ابن أبي حاتم"(7/ 2128).
(7)
"تفسير الطبري"(13/ 111)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(7/ 2128).