الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد صح عن ابنِ عمرَ أنه يخَللُ أحيانًا، ويتركُ أحيانا (1).
وقد نصَّ بعضُ السلفِ على عدمِ وجوبِ التخليل كما صح عن الحسنِ (2) والأوزاعي (3) والثوري؛ أنَّهم قالوا: "ليس عَرك العارِضَينِ في الوضوءِ بواجب".
ولا أعلَمُ مَن أوجبه مِن أهلِ القرونِ المُفضَّلةِ إلا ما ذكَرَه ابن المُنذِرِ عن إسحاقَ.
وكل ما لم يَرِد في الآيةِ مخصوصا، ولم يَثبُت دوامُ النبي صلى الله عليه وسلم عليه، فالأظهَر: عدمُ وجوبِه؛ ولذا لم يقُل أحد مِن السلفِ بإعادةِ وضوءِ تاركِ تخليلِ اللحية، ولا أمَرُوا بذلك، والله أعلَمُ.
المضمضة والاستنشاق في الوُضوءِ:
وذِكرُ غَسلِ الوجه، وعدمُ تخصيصِ المضمضةِ والاستنشاقِ بالذِّكْرِ: قرينة على عدمِ وجوبِ شيءِ في الوجهِ غَيْرِ الوجهِ بذاتِه، ولا خلافَ عندَ العلماءِ في مشروعيةِ المضمضةِ والاستنشاق، وقد اختَلَفَ العلماءُ في وجوبِهما:
فذهَبَ إلى وجوبِهما في الوضوءِ والغُسْلِ: أحمدُ في روايةٍ.
وذهب إلى استحبابِهما فيهما: مالك والشافعي.
وذهَبَ أبو حنيفةَ إلى أن وجوبَهما في الغُسلِ فقط.
وفي روايةٍ لأحمدَ: وجوب الاستنشاقِ وحدَهُ فيهما، ونقَلَ الأثرم، وابن منصور، عن أحمد: أن الاستنشاقَ أوكَد مِن المضمضةِ (4).
(1) أخرجه الدارقطني في "سننه"(556)(1/ 277)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(1/ 55).
(2)
"تفسير الطبري"(8/ 167).
(3)
"تفسير الطبري"(8/ 168).
(4)
"مسائل ابن منصور"(1/ 71)، و"طبقات الحنابلة"(1/ 67).
وإنما خَصَّ أحمد الاستنشاقَ بالوجوب في قول؛ لثبوتِ الأمرِ في "الصحيحَيْنِ"؛ قال صلى الله عليه وسلم: (إذَا تَوَضأ أَحَدُكم، فَليسْتَنْشق)(1).
والأظهَرُ: حمل الأمرِ فيه كما في الأمرِ بالمضمضة، في "السنَنِ" في حديثِ لَقِيطٍ:"إِذَا تَوَضَأتَ، فَمَضمِض"(2)، وقد حكى الشافعي وابن المُنذِرِ: أنه لم يقل بوجوبه أحد مِن السلف، وأن مَن ترَكَه لا يُعيدُ، إلا شيئًا رُوِيَ عن عطاء، فقد صحَّ أنه سُئِلَ: أحَق عليّ أنْ أَستنشِقَ؟ قال: نعم، قيل: عمن؟ قال: عن عثمانَ (3).
ومرة أمَرَ بإعادةِ الصلاةِ لمن لم يُمضمِض وَيستنشق (4).
والأظهرُ: تركُهُ لهذا القولِ؛ ويدل على ذلك: ما جاء عنه مِن حديثِ المثنى، عنه؛ أنه قال فيمَن نَسِيَ المضمضةَ والاستنشاقَ حتى صلى: إنه لا يُعِيدُ؛ كما رواه ابن أبي شَيْبةَ (5).
وأما ما جاء عن ابنِ عبَّاسٍ في الأمرِ بإعادةِ الوضوءِ لِمَن ترَكَ المضمضةَ والاستنشاقَ، فلا يصحُّ.
وقد كان أحمد قد سُئِلَ عن المضمضةِ والاستنشاقِ: أفريضة هو؟ فقال: لا أقولُ فريضة إلا ما في الكتاب، وقد تقدم هذا عنه أول الآية، وكان بعضُ الأصحابِ ينقُل عن أحمَدَ: أنه يفرق بين الفرض والواجب، فيجعلُ الفرضَ ما ثبتَ في الكتاب والواجب ما ثَبَتَ في السُّنَّة؛ كما استظهَرَهُ مِن قولِهِ أبو يعلى وابن عَقيل (6).
(1) أخرجه البخاري (161)(1/ 43)، ومسلم (237)(1/ 212).
(2)
أخرجه أبو داود (144)(1/ 36).
(3)
أخرجه ابن حزم في "المحلى"(1/ 210).
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2057)(1/ 179).
(5)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2059)(1/ 179).
(6)
"العدة" لأبي يعلى (2/ 376)، و"المسودة"(1/ 164).
ولم يقُلْ أحد مِن فقهاءِ السلفِ بمكةَ والمدينة: بوجوبِ المضمضةِ والاستنشاقِ في الوضوءِ.
وقد صحَّ عن قتادةَ وحمادِ بن أبي سُلَيمان: إعادةُ الوضوءِ والصلاةِ لِمَن نَسِيَ المضمضةَ والاستنشاقَ (1):
فأمَّا قولُ حمَّادٍ، فلم يكن أهل الكوفةِ على هذا؛ سواء شيوخُ حمَّاد كإبراهيم، أو تلامذته كالحَكَمِ بنِ عُتَيْبَةَ وأبي حنيفةَ، وصح عن حمَّاد أنه قال: لا يُعيد؛ كما رواهُ عنه مُغِيرةُ (2).
وأما قتادة، فقد صح عنه أيضًا خلافُهُ.
وعلى هذا: فلا يُحفَظ عن أحد مِن الصحابةِ ولا التابِعينَ ولا كِبارِ أَتباعِهم: القولُ بوجوب المضمضةِ والاستنشاقِ في الوضوء للصلاةَ قولا ثابتا لا يُعرَفُ خلافُهُ عنهم، وحَملُ قولِ هؤلاء على قول الجماعةِ أولى.
وأمثال هذه الأحكام -كالوضوء، والصلاةِ- هي مِن الأعمالِ اليوميةِ المشهورة التي يجبُ ألا يُخرَجَ بها عن عملِ أهلِ المدينةِ إلَّا لسنة مرفوعة جليةٍ، وهي مع ذلك لا تكادُ تخرُجُ عن عَمَلِهم.
وفقهاءُ السلفِ مِن التابعينَ وأتباعِهم الذين يكونون في العراقِ والشامِ مع فضلِهم، إلا أنَّهم ربَّما خَرَجُوا عن مقصودِ الشارعِ باجتهادِهم بحملِ الحديثِ على ظاهرِ غيرِ مراد، أو قاسوا حُكما على حُكم، ولم يكونوا قريبينَ مِن العملِ المستديمِ الذي عليه السلف مِن المدنيين؛ فإن عمَلَهم يُفسر الأدلَّةَ والأفعالَ النبويةَ، خاصةَ اليوميةَ أو الأسبوعيةَ، واللهُ أعلَمُ.
وقد نقَلَ ابنُ جريرِ عن ابنِ عباس قولَهُ: "لَولَا التلَمُّظُ فِي الصَّلَاة،
(1)"تفسير الطبري"(8/ 179).
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2066)(1/ 180).