الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحالةُ الثانيةُ: دخولُها لغيرِ ما يُناقِضُ مقاصدَ الشرِّ الذي أُقِيمَتْ له؛ كمَنْ يأتي صروحَ الشِّرْكِ والكفرِ لأمرٍ مباحٍ أو مشروعٍ، لكنَّه مفضولٌ لا فاضلٌ، فهذا الدخولُ لا يجوزُ؛ لأنَّه يَتضمَّنُ تأبيدَ القدوةِ وتشريعَهُ لشرِّ عظيمٍ بإنكارِ ما هو أقلُّ منه؛ كمَن يأتي صروحَ الشِّرْكِ أو الكبائرِ كالزِّنى لِيَتَحَدَّثَ عن فضائلِ الأعمالِ والأقوالِ والآدابِ والسلوكِ والتربية، وبمقدارِ قدوتِهِ في الناسِ وأَثَرِهِ عليهم يكونُ إثمُهُ وتعظُمُ فتنتُه للناس، وكثيرًا ما يَغترُّ بعضُ المُصلِحينَ بما يَقولونَ مِن خيرٍ؛ ويَغْفُلونَ عمَّا يَتْرُكُونَهُ مِن شرٍّ؛ فيَشْغَلُهُمُ المفضولُ عن الفاضلِ مِن الدِّين، فيَفتِنونَ ويُفتَنونَ، فمِن أعظَمِ فتنةِ المُصلِحينَ اختِلالُ مَرَاتبِ الشريعةِ في دَعْوَتِهم.
ومَن دخَلَها مِن سَوَادِ المُسلِمينَ ممَّن لا يُعتَدُّ بقولهِ ولا يُؤْبَهُ له، فإثمُهُ بمقدارِ ما يَلحَقُهُ هو في نفسِه مِن شرِّ منها، وبمقدارِ ما يكثِّرُ به مِن سَوَادِهم، وبحَسَبِ ما يتحقَّقُ له مِن منفعةٍ، وما يَلحَقُه وغيرَهُ مِن مَفسَدةٍ.
تعدُّدُ المساجدِ في الحَيِّ الواحدِ:
ولا يجوزُ بناءُ مسجدٍ مُجاورٍ لمسجدِ الحيِّ؛ ما دامَ الناسُ يَسمَعونَ الأذانَ مِن فوقِ سطحِ المسجدِ بلا مُكبِّراتٍ في زمنِ سكونِ الرِّياح، وبلا ضجيجِ الأسواقِ والطرُقاتِ؛ فإنَّ هذا يفرِّقُ جماعةَ الناس، ويعطِّلُ بعضَ المقاصدِ مِن جَمْعِهم؛ فمِن المقاصدِ تَعَارُفُهم، وأداءُ الحقوقِ بينهم؛ مِن صلاحِ حال، وأمرٍ بمعروفٍ ونهيِ عن منكرٍ، ودفعٍ للبغضاءِ فيما بينَهم؛ فإنَّ الجِيرَانَ لو أهلَ الرَّحِم إنْ تعدَّدَتْ مَساجِدُهم تَهاجَرُوا؛ كلٌّ بمَسجِدِه، ولو جمَعَهُمْ مسجدٌ واحدٌ، تَعارَفوا وتقاربَتْ نُفوسُهم برُؤْيةِ بعضِهم بعضًا، وتَغَافَلَ بعضُهم عن زَلَّةِ بعضٍ، وقد كان بعضُ السلفِ يُسمَّي تعدُّدَ المساجدِ في المكانِ المتقارِبِ والحيِّ الواحدِ بِدْعةً، ويُروى أنَّ أنسَ بنَ مالكٍ لمَّا دخَل البَصْرةَ جعَلَ كلَّما خَطَا خُطْوَتَيْنِ رأى مسجِدًا، فقال: ما
هذه البِدْعةُ؟ ! كلَّما كَثُرَتِ المساجدُ قلَّ المُصَلُّونَ، أشهَدُ لقد كانتِ القبيلةُ بأَسْرِها ليس فيها إلَّا مسجدٌ واحدٌ، وكان أهلُ القبيلةِ يتَناوَبونَ المسجدَ الواحدَ في الحيِّ مِن الأحياءِ (1).
وأمَّا إنْ تباعَدَتْ أطرافُ الحيِّ والبلدِ حتى لا يَسمَعُ الناسُ الأذانَ لو نُودِي مِن فوقِ سَطْحِهِ بلا مكبِّرٍ زمَنَ هدوءٍ وبلا صَخَبٍ؛ فلا حرَجَ مِن بناءِ مساجدَ؛ كما بَنى النبيُّ صلى الله عليه وسلم مَساجِدَ في المدينةِ لأهلِها؛ كمسجِدِ قُباءٍ ومسجدِ بني زُرَيْقٍ وغيرِهما، وقد قيَّد النبيُّ صلى الله عليه وسلم حضورَ الجماعةِ بسَمَاعِ النِّداءِ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم لِمَنِ الْتمَسَ رُخْصةً بتَرْكِها:(هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاء بِالصَّلَاةِ؟ )، قال: نعَمْ، قال:(فَأَجِبْ)(2)، ومَن سمِع النِّداءَ مِن جهتَيْنِ وتَقارَبَ منه مسجدان، لم يَفقِدْهُ الجميعُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ يظُنُّهُ في الآخَر، فلا يُعرَفُ المؤمِنونَ مِن المُنافِقينَ، ولا يتَمايَزُ الصَّالِحونَ، وتَضْعُفُ الشهادةُ للناسِ بالإيمانِ وتَزْكِيَتُهم بالخيرِ.
وإذا كَثُرَ الناسُ وتَزاحَموا في المسجدِ حتَّى لا يُطيقَهم، فالأولى أنْ يُوَسِّعُوهُ أو يُبدِّلوهُ بمكانٍ أوسَعَ منه، ولا يَبْنُوا مسجدًا قريبًا منه فتتعدَّدَ المساجدُ في المكانِ المُتقارِبِ؛ كما نصَّ على هذا أحمدُ بن حنبلٍ وغيرُه.
وإذا تعذَّر ذلك؛ كما يكونُ في العواصم المزدَحِمة، والمدنِ الكبيرةِ بالناس، والأبنيةِ المرتفِعةِ الشاهِقةِ التي يتعذَّرُ معَها جَمْعُهم في مسجدِ الحيِّ؛ فبعضُ الأبنيةِ الشاهقةِ اليومَ مَن يَسْكُنُها معَ صِغَرِ أرضِها آلافُ الناس، ولو كانوا على الأرض، لكانوا حيًّا كاملًا أو قريةً كاملةً، وإذا كانتِ الحالةُ تلك، فلا حرَجَ مِي تعدُّدِ المساجدِ في المكانِ المُتقارِبِ؛ لاجتماعِ مَفسدتَيْنِ؛ فيجوزُ ارتكابُ أَدْناهُما:
(1)"المدخل" لابن الحاج (2/ 100).
(2)
أخرجه مسلم (653).