الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جائزٌ ولو لم يأذَنْ في كلِّ مرَّةٍ، وقد كانتِ النِّساءُ تَرِدُ إلى بيوتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ويُدخِلُهُنَّ أزواجُهُ ويَسألُ عنهنَّ، وفي "الصحيحَيْنِ"، عن عائشةَ؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قَالَ:(مَنْ هَذِهِ؟ )، قَالَتْ: فُلَانَةُ، تَذْكُرُ مِن صَلَاتِهَا، قَالَ:(مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَالله، لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا)، وَكَانَ أحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ (1).
وأمَّا الطاعةُ غيرُ الواجبةِ بالاتِّفاقِ: فقد تحرُمُ إنْ أمَرَها بمحرَّم كالوَطْءِ في الدُّبُر، وقد تُكرَهُ إنْ أمَرَها بفعلِ مكروهٍ، وإنْ أمَرَها بما يُضِرُّ بها، فليس عليها طاعتُهُ، وأمَّا إنْ أمَرَها بما لا يُضِرُّ بها ولا منفعةَ له به؛ كانْ يأمُرَها أنْ تَلبَسَ الأبيضَ أو الأصفرَ أو الأخضرَ عندَ النِّساء، فلا يجبُ عليها ذلك؛ لأنَّ الأمرَ يتعلَّقُ بها لا به، لكنَّه لوأمَرَها ألَّا تَلبَسَ لونَ كذا وكذا عندَهُ، فهذا له.
وأمَّا خِدْمةُ المرأةِ لزوجِها في بيتِهِ مِن طبخِ طعامٍ ونظافةِ ثيابٍ، فقد وقَعَ فيها خلافٌ:
وقد ذهَبَ جماعةٌ مِن الفقهاءِ: إلى وجوب ذلك؛ كما هو قولُ أهلِ الرأي، وجماعةٍ مِن المالكيَّة، وأبي بكرِ بنِ أَبي شيْبةَ، ولكنَّ الحنفيَّةَ أَوجَبُوهُ دِيانةً لا قَضاءً.
وذَهَبَ الشافعيَّةُ والحنابلةُ وجماعةٌ مِن فقهاءِ المالكيَّةِ: إلى عدمِ الوجوبِ.
والأظهَرُ في ذلك: أنه يُجرى على العُرْفِ؛ وذلك لأنَّ الخِدْمةَ تَختلِفُ صِفتُها يحسَبِ البُلْدانِ؛ فأحوالُ البَوادِي تختلِفُ عن القُرى، وأحوالُ المُدُنِ الكبيرةِ تختلفُ عن القُرى، وقد كان ذلك جاريًا عندَ العربِ وما زال، وقد قَضى النبيُّ صلى الله عليه وسلم على فاطمةَ بخِدْمةِ رَوْجِها في بيتِه،
(1) أخرجه البخاري (43)، ومسلم (785).
وعلى علي بالخِدْمةِ الظاهرة، وكان الصحابةُ يَتزوَّجونَ وتقومُ أزواجُهم يخِدْمتِهم؛ كما قال جابرٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ عَبدَ اللهِ هَلَكَ وتَرَكَ بَنَاتٍ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً تَقُومُ عَلَيهِنَّ وَتُصْلِحُهُنَّ"(1).
وإنَّما لم تأتِ نصوصٌ صريحةٌ آمِرةٌ في ذلك؛ لأنَّ كلَّ البيوتِ كانتْ تَجري على العُرْف، فتُرِكَتْ على ما هي عليه، والنِّساءُ يَعمَلْنَ في بيوتِ أزواجِهِنَّ ولا يُؤمَرْنَ بذلك، ويقومُ الزوجُ بعلاجِ زَوْجَتِهِ إنْ مَرِضَتْ، وأكثرُ الفقهاءِ كالمذاهبِ الأربعةِ لا يُوجِبُونَ ذلك عليه، ويَفْعَلُ ذلك عادةً وإحسانًا بلا تعاقُدِ ولا مُشارَطةٍ عليه، ولو دخَلَتِ المُشارَطةُ والعقودُ في مِثلِ هذا العُرْف، لَفَسَدَتِ البيوتُ وقلَّ الإحسانُ بينَ الزوجَيْنِ.
* * *
قال تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [يوسف: 23].
نادَتِ امرأةُ العزيزِ يوسُفَ بعدَ مُراوَدةٍ على الفاحشة، وإغلاقٍ للأبوابِ عن الخَلْق، وقد ذكَرَ اللهُ وقوعَ المُراوَدةِ مِن امرأةِ العزيزِ لوسُفَ بقوله {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا}؛ يعني: أنه أُرِيدَ مِن ذاتِ سُلْطانٍ وجاهٍ، وهذا مِن عظيمِ الفتنةِ للرِّجالِ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم في السَّبْعَةِ الذين يُظِلُّهم اللهُ في ظِلِّه:(وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ)(2)، فقدَّمَ المَنصِبَ على الجمال، لِأَثَرِهِ في النفوس، والأصلُ: أنَّ الملوكَ لا يَختارونَ إلَّا ذاتَ
(1) أخرجه البخاري (5367)، ومسلم (715).
(2)
أخرجه البخاري (1423)، ومسلم (1031).