الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ظَبْيًا أو أرنَبًا، يُقال: صادَهُ، ومَن قتَلَ عَقرَبًا أو حَيَّةً أو كلبًا، يُقالُ: قتَلَهُ، ولا يُقالُ: صادَهُ؛ لأنَّه لا يُؤكَلُ؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى المُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ)(1)، فقال: قَتْلِهِنَّ أو يُقْتَلْنَ، ولم يَقُلْ: صَيْدُهُنَّ أو يُصَدْنَ.
ويُقاسُ عليهنَّ: ما أخَذَ حُكمَهُنَّ ممَّا يَضُرُّ الإنسانَ، فمَن قتَلَ حيَّةً أو زُنْبُورًا أو ذُبَابةً أو بَعُوضَةً أو حَشَرةً مِن دوابِّ الأرضِ تُؤذِيه، فليستْ صيدًا، ولا شيءَ عليه فيها، ومِثلُ ذلك لو قتلَها مِن غيرِ أذيَّةٍ فلا كفَّارةَ فيها، وإنَّما رُخِّصَ في الضارِّ أن يُقْتَلَ، وغيرِ الضارِّ أن يُتْرَكَ؛ لأنَّ قتلَهُ بلا سببٍ مكروهٌ.
وقاس أحمدُ ومالكٌ على الكلبِ: كلَّ سَبُعٍ يُؤذِي ويُخشَى منه، وخَصَّ أبو حنيفةَ الذئبَ؛ لأنَّه كلبٌ بَرِّيٌّ، ولم يَستثنِ غيرَه.
ولم يجعَلِ الشافعيُّ في قتلِ غيرِ مأكولِ اللحمِ للمحرِمِ شيئًا، ونسَبَ بعضُ الشافعيَّةِ إلى الشافعيِّ: جوازَ قتلِ كلِّ غيرِ مأكولِ اللحم، وفي إطلاقِ هذا القولِ عنه نظرٌ؛ وإطلاقُهُ بتحريمِ قتلِ الصيدِ المأكولِ لا يعني جوازَ قتلِ غيرِ المأكولِ بإطلاقٍ.
كفَّارةُ الصيدِ للمحرِمِ:
وقولُه تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} قَضى الصحابةُ والتابعونَ بأنَّه يُحكَمُ على المتعمِّدِ والمخطِئ، ولا فرقَ بينَهما، إلَّا أنَّ المتعمِّدَ يأْثَمُ، والمُخطِئَ لا يأْثَمُ، وبهذا قال عمرُ وابنُ عبَّاسٍ ومجاهِدٌ وعطاءٌ وابنُ جُبيرٍ والنخَعيُّ؛ وهو قولُ عامَّةِ العلماءِ؛ لأنَّ السُّنَّةَ قضَت بذلك على العامدِ
(1) أخرجه البخاري (1826)(3/ 13)، ومسلم (1199)(2/ 858).
والناسي سواءً، فإنَّ مَن صِيدَ له الصيدُ وهو لا يَعلَمُ به ولو كان الصائدُ حلالًا، حرُمَ عليه؛ فإنَّ تحريمَهُ على المحرِمِ نفسِهِ بغيرِ قصدِ للصيدِ منه مِن بابِ أَولى، قال الزُّهْريُّ:"دَلَّ الكتابُ على العامِد، وجَرَتِ السُّنَّةُ على الناسي"(1).
ومُرادُ الزُّهْريّ بالسُّنَّةِ: ما ورَدَ في الأثرِ مِن قولِ الصحابةِ؛ كعمرَ وابنِ عبَّاسِ وجماعةٍ مِن التابعينَ على ما تقدَّمَ.
وخصَّه طاوُسٌ بالمتعمِّدِ؛ لظاهِرِ الآية، وهو روايةٌ لأحمدَ، وإنَّما ذكَرَ التعمُّدَ؛ لاعتبارِ الغالبِ؛ فالصيدُ لا يُقصَدُ عن نسيانٍ؛ لأنَّه تتبُّعٌ وقصدٌ ومشقَّةٌ لا يقعُ سهوًا ونسيانًا، والأحكامُ تُذكَرُ على غالبِ حالِها؛ ومِن ذلك قولُهُ تعالى:{وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ} [النساء: 23]، فالغالبُ في الرَّبِيبَةِ: أنَّها تكونُ في الحَجْرِ مع أمِّها.
وجعَلَ مجاهِدٌ التعمُّدَ في الآيةِ هو تعمُّدَ الصيدِ مع نسيانِ الإحرام، وأمَّا مَن كان ذاكِرًا لإحرامِه، فإحرامُهُ باطلٌ، واختلَفَ لفظُ المَرْوِيِّ عنه؛ فتارَةً يقولُ:"ولا حَجَّ له"؛ كما رواهُ ليثٌ عنه (2)، وفي روايةٍ قال:"فقد حَلَّ"؛ كما رواهُ ابنُ أبي نَجِيحٍ (3)، ولم يُوافَقْ على قولِهِ بإبطالِ النُّسُكِ.
وقد حمَلَ الشافعيُّ قولَهُ على معنًى آخَرَ، فقال في "الأُمِّ":"أَحْسَبُهُ يذهبُ إلى: أحَلَّ عقوبةَ الله، قيل له: أفتراهُ يُريدُ أحلَّ مِن إحرامِهِ؟ قال: ما أراهُ، ولو أرادَهُ، كان مذهبُ مَن أَحْفَظُ عنه خلافَهُ، ولم يَلزَمْ بقوله حُجَّةٌ"(4).
وأيضًا: لو كان الإحرامُ يَبطُلُ بالصيدِ، لكان بيانُهُ في الآيةِ أَولى مِن بيانِ حُكْمِ الكفَّارة، ولمَّا لم يكنِ البطلانُ مقصودًا، لم يُذكَرُ، وذُكِرَ ما دونَهُ؛ وهو الكفَّارةُ.
(1)"تفسير ابن كثير"(3/ 192).
(2)
"تفسير الطبري"(8/ 674).
(3)
"تفسير الطبري"(8/ 674).
(4)
"الأم"(2/ 200).