الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
للأمَّةِ مِن خارِجِها، وإذا صلَحَت حالُهما وتآلفَتْ كَلِمَتُهما، صلَحَ حالُ الأمَّةِ وقَوِيَت شَوْكَتُها، وإذا تنافَرَ حُمَاةُ الأمَّةِ: علماؤُها ومُجاهِدُوها، تمزَّقَت وتسلَّلَ عدوُّها مِن خلالِها.
وحِفْظُ العِلْمِ فرضُ كفايةٍ، وفي تسميةِ طَلَبِهِ نَفِيرًا في قوله:{فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} دليلٌ على تشبيهِهِ بنفيرِ الجهاد، فالمتفرِّغُ للعِلْمِ وتحصيلِهِ وتبليغِهِ نافرٌ كنفيرِ المجاهِدِ في سبيلِ الله، والعالِمُ يُجاهِدُ بِقَلَمِهِ ولسانِه، والمجاهِدُ يجاهِدُ بسيفِهِ وسِنَانِه، وإذا قامَا بما أمَرَهما اللهُ حَقَّ قيامٍ، قامَتِ الأمَّةُ وانتصَرَتْ وسادَتْ، وبمقدارِ خَلَلِ النافرَيْنِ فيها: العالِمِ والمجاهِد، يكون ضعْفُ نصرِ اللهِ وكفايتِهِ لها، فإدا زَلَّ العالِمُ وحادَ لِسَانُه، وزَلَّ المجاهِدُ وحادَ سِنانُه، اضطَرَبَ أمرُ الأمةِ وتسلَّطَ عليها عدوُّها، وحَيْدَة قلمِ العالِمِ ولِسانِه: بكتمانِ الحِّق وتلبيسِهِ على الناسِ بالباطل، وحَيْدَةُ سِنَانِ المجاهِدِ: بحَرْفِهِ إلى المؤمنينَ، وسَفْكِهِ دَمَهم، وعدمِ التورُّعِ عن حُرُماتِهم.
ولا تتمكنُ الأمَّةُ وتُحمَى ثُغُورُها إلَّا بلِسَانٍ وسِنَانٍ؛ لِسانِ عِلْمٍ، وسِنَانِ سِدَادٍ.
التفاضُلُ بينَ مِدَادِ العالِمِ ودَمِ الشَّهِيدِ:
وقد اختَلَفَ العلماء مِن السلفِ والخلفِ في التفاضُلِ بينَ نفيرِ العالِمِ ونفيرِ المجاهِد، وبينَ مِدَادِ العالِمِ ودمِ الشهيد، وجاء في ذلك أحاديثُ مرفوعةٌ؛ مِن حديثِ أبي الدَّرْداء، وعبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، وابنِ عمرَ، وعُقْبةَ بنِ عامرٍ، وابنِ عبَّاسٍ، في تفضيل مِدادِ العالِمِ على دمِ الشهيد، لا يثبُتُ منها شيءٌ، والأظهَرُ: أنَّ لكلِّ مَقَامًا في الإسلامِ عظيمًا، ومَقامُ كلِّ واحدٍ بما يُؤدِّيهِ مِن أمرِ اللهِ عليه، فالعالِمُ لا يُفضَّلُ على الشَّهيدِ لمجرَّدِ عِلْمِه، حتى يقومَ به، والمجاهِدُ لا يُفضَّلُ على العالِمِ
لمجرَّدِ قيامِهِ وحميَّتِه، حتى ليَسُدَّ ثَغْرًا وَيحْمِيَ حُرْمةً، والأحاديثُ في فضلِ دمِ الشهيدِ أكثَرُ وأظهَرُ، ولكنْ مَن نظَرَ إلى حالِ الأنبياءِ وجَدَ أنَّهم جميعًا علماءُ، وليس كلُّهم شهداءَ، والعالِمُ إذا قامَ بأمرِ الله، كان أثرُهُ عظيمًا في يومِهِ ومَن يخلُفُهُ مِن بعدِه، والشَّهيدُ عظيم أثرُهُ على نفسِهِ وأهلِ زمنِه، ومِدَادُ العالِمِ أبْقَى في الناسِ؛ كمِدَادِ السلفِ الذين نصَرُوا الدِّينَ وأَحْيَوُا السُّنَّةَ؛ كمالكٍ وأحمدَ والشافعيِّ والبخاريِّ ومسلمٍ، ومِدادُهم اليومَ شاهدٌ على عَظَمتِهِ وفضلِهِ وبقائِهِ في الأمَّة، والمجاهِدُ أحوَجُ إلى العِلْمِ مِن العالِمِ إلى الجهاد، والعالِمُ بلا جهادٍ: يَنفَعُ، والمجاهِدُ بلا عِلمٍ: يضُرُّ.
ومِدَادُ العالِمِ منشورٌ يُقرَأُ في الدُّنيا، ودمُ الشهيدِ مَطْوِيٌّ يُنشَرُ في الآخِرة، وأصْدَقُهُمْ في الدُّنيا أكثرُهُمْ توفيقًا في الآخِرةِ.
والعِلْمُ في ذاتِهِ أفضَلُ مِن الجهادِ في ذاتِه، وقد يفضُلُ المجاهِدُ العالِمَ لمَقامِهِ وصِدْقِه، وبمقدارِ ما حَفِظَ وسَدَّ ووُكِلَ إليه مِن ثَغْرٍ ورِباطٍ، والعالِمُ والمجاهِدُ إنْ قصَّرَ كلُّ واحدٍ منهما في أداءِ أمانتِهِ وجعَلَ قَصْدَهُ غبرَ الله، جمَعَهما اللهُ جميعًا في النار، وكان دخولُهما واحدًا، لعِظَمِ مَقَامِهما في الدُّنيا، ويعِظَمِ المَقَامِ يكونُ عِظَمُ الخيانةِ؛ ففي مسلمٍ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ أنَّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدتُّ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِه، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّار، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثم أُمِرَ بِه، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ في النَّار، وَرَجُلٌ
وَسَّعَ اللهُ عَلَيهِ وَأعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ كلِّه، فَأُتى بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحبُّ أنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أنْفَقتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِه، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ في النَّارِ) (1).
* قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 123].
في هذه الآيةِ: دليلٌ على ترتيب الأعداءِ في القتال، وأنَّ الأحَقَّ بالقتالِ الأَدْنى منهم؛ لأنَّ الأصلَ أنَّ الأَدْنى أقرَب إلى إلحاقِ الضرَرِ بالمُسلِمينَ أكثَرَ مِن الأبعَد، ولأنَّ الكفرَ الأدْنى أولى بالرفْعِ والإصلاح مِن الكفرِ الأَبعَد، وقد يكون الكفرُ الأقرَبُ في ضَعْفْ فيُوادَعُ، ويُقاتَلُ الكفرُ الأَبعَدُ فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يُجْلِ ويتختَلَّصْ مِن جميعِ اليهودِ قبلَ قتالِهِ قريشًا بمَكَّةَ وغيرَهُمْ مِن مُشركي جزبرةِ العرب، فقد صالَحَ يهودَ خَيْبَرَ على خَرَاجِ أرضِهم، وقاتَلَ الأَبْعَدِينَ بعدَ ذلك، فبَقِيَت يهودُ خَيبَرَ في الحجازِ وقد دانَتْ كثيرٌ مِن العربِ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم حتى أَجْلَاهُم عمرُ؛ لأنَّ شَوْكَةَ الأبعَدِ أَقْوى، وخَطَرَهُمْ على الإسلامِ أعظَمُ.
وقد تقدَّمَ الكلامُ على مَراتبِ الأعداءِ في القتال، والتدرُّجِ في ذلك، والنظرِ إلى الأسبابِ الشرعيَّةِ والكونيَّة، والفرقِ بينَ عقيدةِ الوَلَاءِ والبَراءِ وسياسةِ الاستعداء، عندَ قولِه تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوأَشَدَّ خَشْيَةً} [النساء: 77].
(1) أخرجه مسلم (1905).