الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال تعالى: {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [يونس: 89].
فضلُ التأمينِ وإدراكِ تكبيرةِ الإحرامِ:
في هذه الآيةِ: أنَّ التأمينَ على الدُّعَاءِ في حُكمِ التلفُّظِ بالدعاءِ؛ وذلك أنَّ موسى كان يَدْعُو اللهَ وهارونُ يؤمَّنُ عليه؛ فقال اللهُ: {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} ؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ وعِكْرِمةُ وأبو العاليةِ (1)، وهذا مُقتضى التأمينِ ولازِمُه، ولم يَرِدْ في الآيةِ؛ لأنَّ اللهَ لم يَجعَلِ الإمامَ يَدْعُو والناسَ يُؤمِّنونَ والمرادُ بذلك حظُّ الداعِي بنفسِه، بل إنَّ الدعاءَ والأجرَ لهم جميعًا، ولكنَّه بحسَبِ حضورِ قلبِ كلَّ واحدٍ وتحقُّقِ مُوجِباتِ الإجابةِ فيه.
والمؤمَّنُ يُدرِكُ مِن الفضلِ ما أدرَكَهُ الإمامُ في قراءتِهِ الفاتحةَ، وهذا مُقتضى مشروعيَّةِ قولِهِ:"آمِينَ"، ويُروَى أنَّ بلالًا كان يقولُ للنبيّ صلى الله عليه وسلم:"لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ"(2)؛ وذلك لأنَّه يُؤذَّنُ ويُقِيمُ على سطحِ المسجد، ومِن هنا قال بعضُ السلفِ والفقهاءِ: إنَّ تكبيرةَ الأحرامِ تُدرَكُ بآمِينَ؛ وبهذا قال وكيعٌ (3)، ويُروَى عن أبي الدَّرْداءِ أنه سمِع إقامةَ الصلاة، فقال:"أَسرِعوا بنا نُدرِكْ آمِينَ"(4).
وجمهورُ العلماءِ: على أنَّ تكبيرةَ الإحرامِ تُدرَكُ بنفِسها، وهو قولُ أحمدَ، وأنكَرَ الإدراكَ ب (آمِين)، وحديثُ بلالٍ فيه عِلَّة؛ فقد رواهُ أحمدُ وأبو داودَ، عن أبي عثمانَ، عن بلالٍ.
(1)"تفسير الطبري"(12/ 271 - 272)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(6/ 1980).
(2)
أخرجه أحمد (6/ 12)، وأبو داود (937).
(3)
"طبقات المحدَّثين" للأصبهاني (3/ 219).
(4)
أخرجه حرب بن إسماعيل في "مسائله"(ص 421).
وأبو عثمانَ النَّهُديُّ لم يَسمَعْ مِن بلالٍ شيئًا، وإنْ كان أدرَكَهُ؛ فأبو عثمانَ تابعيٌّ مُخضرَمٌ.
أعلَّهُ بالإرسالِ غيرُ واحدٍ؛ كأبي حاتمٍ (1)، وابنِ رجبٍ (2).
وقد رواهُ هشامُ بن لاحقٍ، عن عاصمٍ، عن أبي عثمانَ، عن سَلْمانَ، عن بلالٍ؛ وجعَلَهُ موصولًا (3).
ولا يصحُّ.
وهشامٌ، ترَكَهُ الإمامُ أحمدُ (4).
وقال البخاريُّ: مُضطرِبُ الحديثِ عندَهُ مناكيرُ (5).
وقال ابنْ حِبَّانَ: مُنكَرُ الحديثِ (6).
وإقامةُ المؤذِّنِ فوقَ سطحِ المسجدِ ظاهرةٌ؛ لحديثِ: (إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ، فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَار، وَلَا تُسْرِعُوا؛ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا)(7)، ولا يُؤمَرُ بالسَّكِينةِ ويُنهَى عن السُّرْعةِ إلَّا البعيدُ، ولا يَسمَعُ البعيدُ مَن داخِلَ المسجدِ.
وإدراكُ تكبيرةِ الإحرامِ بإدراكِها بنفسِها أقرَب؛ لأنَّ الإدراكَ ب (آمِينَ) لا يَنضبِطُ في الصلواتِ السَّرَّيَّة، ثم يُشكِلُ عليه مَن يؤمَّنُ مع الإمامِ ولم يدخُلْ في الصلاةِ؛ كمَنْ كان قادمًا إليها، فلا يُعتبرُ دحولُهُ إدراكًا حتى يُكبِّرَ، فهو يُدرِكُ بتكبيرتِه، لا بمجرَّدِ تأمينِه.
(1)"علل الحديث" لابن أبي حاتم (2/ 306).
(2)
"فتح الباري" لابن رجب (4/ 490).
(3)
"فتح الباري" لابن رجب (4/ 490).
(4)
"ميزان الاعتدال"(4/ 306).
(5)
"الضعفاء الكبير" للعقيلي (4/ 337)، و"الكامل" لابن عدي (7/ 110).
(6)
"المجروجين"(3/ 90).
(7)
أخرجه البخاري (636)، ومسلم (602).