الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تقييمُها عندَ الحَوْل، ولا اعتبارَ بقيمتِها عندَ شِرائِها، والعروضُ التي لا تَجِدْ مشتريًا لها - لأنَّ الناسَ زَهِدُوا فيها مَهْمَا كان ثمنُها قليلًا - فهذه لا قيمةَ لها؛ وعلى هذا لا زكاةَ فيها، واللهُ أعلَمُ.
فَضْلُ الدُّعَاءِ للمتصدِّقِ:
قولُهُ تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} ، فيه استحبابُ الدُّعَاءِ للمتصدِّقِ في نفسِهِ وولَدِه، وبالبرَكَةِ في مالِه؛ وقد قال أهلُ الظاهرِ بالوجوب، وليس بصحيحٍ، بل هو مستَحَبٌّ، ولم يقُلْ أحدٌ بوجوبِه مِن السلفِ والأئمَّةِ.
وإنَّما أمَرَ اللهُ نبيَّهُ بالدعاءِ لهم؛ لعِظَمِ أثرِ دعوةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهي مخصوصةٌ بالقَبُول، ولِفَضْلِ الدعاءِ عامَّةً؛ فإنَّه يُورِثُ سَكَنًا وطُمَأْنينةً، يَجِدُهما المدعوُّ له في نَفسِه، فيتذكَّرُ اللهَ فيُخلِصُ، ويتذكَّرُ ثوابَة فيَنتظِرُهُ ويَرْجوه، ولا يتعلَّقُ قلبُهُ بما فاتَ مِن مالِه.
وأصل الحُكمِ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم ومَن قام مقامَه، ومع أنَّ أَخْذَ النبيِّ أعظَمُ مِن أخذِ غيرِه، وإعطاءَهُ أعظَمُ مِن إعطاءِ غيرِه، وصلاتَهُ أعظَمُ مِن صلاةِ غيرِه؛ فإنَّ الأخذَ والدعاءَ مِن الجميعِ مشروعٌ، والدعاءُ عامٌّ لكلِّ قابضٍ للزكاةِ مِن دافِعِيها، وكما أنَّ الأخذَ في قولِه:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} عامٌّ لكلِّ ذي أمرٍ؛ فإنَّ قولَه تعالى، {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} عامٌّ كذلك لكلِّ قابضٍ.
وقد يَختَصُّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بتوجيهِ الخطابِ إليه، ولا يَعني تخصيصَ الحُكْمِ به؛ وذلك لجُمْلةٍ مِن العللِ والأحكامِ:
منها: أنَّ الخطابَ يتَّجِهُ إلى الوُلاةِ أعظَمَ مِن غيرِهم؛ وذلك لأنَّهم أَوْلى مَن يقومُ بهذا الأمر، فتَوجَّهَ إليهم لبيانِ أنَّهم الأحَقُّ بالامتثال، وهذا كثيرٌ؛ ومِن ذلك قولُهُ تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 73]؛ لأنَّ أمورَ الجهادِ تتَّجِهُ في أصلِها إلى الحاكم، وهي
منه أعظَمُ وأَوْلى مِن غيرِه؛ سواءٌ كان ذلك في الكافِرينَ أو المُنافِقينَ، فله هَيْبةٌ، ومنه رَغْبةٌ، لا تكونُ لغيرِه، ومِن ذلك قولُهُ تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1].
ومنها: أنَّ الأمرَ الذي يتمُّ الخِطابُ لأجلِهِ عظيمٌ، فيتوجَّهُ الأمرُ للأَعْلى؛ حتَّى لا يَظُنَّ أحدٌ خروجَهُ منه، فلا أعظَمَ ولا أشرَفَ مَقامًا في البشَرِ مِن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فإذا توجَّه الخطابُ إليه، كان توجُّهُهُ إلى غيرِهِ أَوْلى؛ مِن حاكمٍ وسُلْطانٍ، وخاصٍّ وعامٍّ، وذَكَرٍ وأُنثى.
ومنها: أنَّ الأمرَ مختصٌّ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهذا خلافُ الأصل، وهو قليلٌ نادرٌ، ولا بدَّ مِن دليلٍ يقومُ عليه.
وقد يكونُ الخطابُ متوجِّهًا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولكنَّ المرادَ به غيرُهُ؛ كما في قولِهِ تعالى:{فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ} [يونس: 94]، فالشَّكُّ لا يُنسَبُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
وفد زعَمَ مانِعو الزكاةِ أنَّ هذه الآيةَ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} خاصَّةٌ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ شُحًّا وطمعًا في نُفُوسِهم، حمَلَهُمْ على هذا التأويل، فقاتَلَهُمْ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ والصحابةُ معه، فقال:"وَالله، لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ"؛ رواهُ الشيخانِ (1).
وقد بيَّن أبو بكرٍ والصحابةُ لهم سُوءَ زَعْمِهم، وبُطْلانَ فَهْمِهم، بالحُجَّةِ والدليل، ثم قاتَلُوهم على ذلك لمَّا أصَرُّوا على منعِها، وفي ذلك أنَّ الضلالةَ ولو كانتْ بيِّنةً ظاهرةً، فالواجبُ بيانُها لأهلِها، وإقامةُ الحُجَّةِ عليهم؛ فقد يكونُ فيهم مَنْ هو جاهلٌ أو مأمورٌ وهو كارِهٌ، فإنْ تَبَيَّنَ له، عادَ إلى الحقِّ والرشدِ.
(1) أخرجه البخاري (7284)، ومسلم (20).