الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ جابرٍ مرفوعًا: (أُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمْ، وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي)(1).
* * *
تقدَّمَ في سورةِ النِّساءِ الكلامُ على الهِجْرةِ وشيءٍ مِن أحكامِها وأنواعِها، والبُلْدانِ التي تقعُ منها وإليها، وحُكْمِ تارِكِها، وحُكْمٍ المُقيم وَسَطَ الكافرين، عندَ قولِهِ تعالى في النِّسَاءِ:{قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ} [النساء: 97].
وجوبُ نُصْرةِ المؤمنينَ ووجوبُ الهجرةِ:
وفي هذه الآيةِ: دليلٌ على أنَّ الأصلَ: وجوبُ نُصْرةِ المؤمنينَ، وعدمُ خِذْلانِهم، والاستثناءُ في الآيةِ:{وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} ، وهذه نزَلتْ في الأعرابِ الذين ترَكُوا الهِجْرةَ، ويكونُ بينَهم وبينَ المشرِكينَ قتالٌ؛ كما صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ (2).
وهو عامٌّ لِمَنْ كانتْ حالُهُ كحالِ المُسلِمينَ الأعراب، ومِثلُهم كذلك
(1) أخرجه البخاري (335)، رمسلم (521).
(2)
"تفسير الطبري"(11/ 295)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(5/ 1740).
الذين كانوا بمَكَّةَ؛ فقد وجَبَتْ عليهم الهِجْرةُ، فلم يُهاجِروا، فلمَّا آثَرُوا بقاءَهم بمَكَّةَ على اللَّحَاقِ بالمؤمنينَ، سقَطَ حقُّهم في نُصْرةِ المؤمنِينَ لهم على قومٍ بينَهم وبينَ المُسلِمينَ مِيثَاقٌ وهُدْنةٌ؛ كما قال تعالى:{مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} .
وهدا مشروطٌ بتوافُرِ الهجرةِ وتَرْكِهم لها مِن تِلْقاءِ أَنْفُسِهم، وأمَّا إنْ كانتِ الهجرةُ واجِبِةً عليهم، ولا يَجِدُونَ بلدًا يُؤْوِيهِم كما هو في كثيرٍ مِن المُسلِمينَ اليومَ في بلادِ الكُفْرِ؛ لا يجدُ كثيرٌ منهم بلدًا مسلِمًا يُهاجِرونَ إليه؛ وذلك للأنظِمةِ الحادتةِ التي تُؤْثِرُ الأرضَ لأهلِها، وتُقدَّمُ في البقاءِ الكافرَ مِن أهلِها، وتَمْنَعُ المسلِمَ المُهاجِرَ إلَّا في أبوابٍ ضيَّفةٍ كعملٍ وحِرْفةٍ مؤقَّتةٍ.
فإذا انسَدَّ بابُ الهِجْرة، وأُغلِقَ بابُها دونَ مَن رَغِبَ في الهِجْرة، فليس للمُسلِمينَ تركُ نُصْرةِ أولئك المظلومينَ في بُلْدانِهم إنْ نزَلَ عليهم بَغْيٌ وظُلْمٌ وقهرٌ، بحُجَّةِ أنَّ بينَ المُسلِمينَ وبينَ دُوَلِ الكُفْرِ التي يُقِيمونَ فيها عهدًا وميثاقًا؛ فإنَّهم لو فُتِحَ بابُ الهجرةِ لهم، وامتنَعُوا كما امتَعَ كثيرٌ مِن مُسلِمي الأعرابِ ومَن كان بمَكَّةَ، لَسَقَطَ حقُّهم في النُّصْرةِ على قومٍ بينَهم وبينَ المؤمنِينَ ميثاقٌ.
وقد رَوَى أحمدُ ومسلمٌ؛ مِن حديثِ بُرَيْدَةَ بنِ الحُصَيْبِ؛ قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَو سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى الله، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: (اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ فِي سَبِبلِ الله، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِالله، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ - أَو خِلَالٍ - فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَام، فَإِنْ أَجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ
مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ المُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى المُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ المُسْلِمِينَ؛ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى المُؤمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ المُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا، فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا، فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ) (1).
وأمَّا ما وقَعَ مِن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مع مُشرِكي قريشٍ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ حينَما صالَحَهم على رَدَّ مَن أسلَمَ وهاجَرَ مِن مَكَّةَ إليهم، فلم يُؤْوِه، فضلًا عن أنْ يَنْصُرَهُ، فذلك بابٌ ضيَّقٌ مَرَدُّهُ إلى مصلحةٍ ضيَّقةٍ، لا يُدرَكُ مِثلُها إلَّا في وحيِ وبصرٍ ثاقبٍ وحالٍ مُشابِهةٍ، فقد سبَقَ ذلك أعوامٌ دُعِيَ المُسلِمونَ بمَكَّةَ إلى الهجرة، فتثاقَلُوا، ولهم مِن السبيلِ ما يَخرُجونَ إليه مِن واسعِ الأرضِ؛ كما قال تعالى:{أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} [النساء: 97]، فلهم مُهَاجَرٌ إلى غيرِ المدينةِ ومَلجَأٌ إلى غيرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، بخلافِ مَنْ كان لحي بَلَدٍ لا مَلجَأَ له لا في أرضِ كُفْرٍ ولا في أرضِ إسلامٍ.
وإن كان في الأمَّةِ ضِيقٌ وشِدَّةٌ، وفي الكفرِ قُوَّةٌ وبأسٌ، وكانتْ حالُ المُسلِمينَ كحالِ النبيِّ وصَحْبِه، وحالُ المُسلِمينَ المظلومينَ كحالِ الأعرابِ ومَن كان بمَكَّةَ، وفي الأرضِ سَعَةٌ وفُسْحةٌ ومَلجَأٌ، فله أنْ يَفْعَلَ كفعلِه، واللهُ أعلَمُ، وليس لسُلْطانِ المُسلِمينَ وحاكِمِهم أنْ يَمنعَ هجرةَ المُسلِمينَ مِن بلدِ الكُفْرِ إلى بُلْدانِ المُسلِمينَ، ويَضَعَ الميثاقَ مع الكافِرِينَ على عدمِ نُصْرةِ المُسلِمينَ المظلومينَ في بَلَدِهم.
(1) أخرجه أحمد (5/ 358)، ومسلم (1731).