الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقيل: رجلٌ مِن أهلِها، ورُوِيَ هذا عن ابنِ عبَّاسِ وقتادةَ وعِكْرمةَ (1).
شهادةُ القَرِيبِ على قَرِيبِه، والأخذُ بالقرائنِ:
وفي قوله تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا} دليلٌ على قَبُولِ شهادةِ القرب على قريبِه؛ وذلك أنَّ الشاهدَ مِن أهلِها لو شهِدَ لامرأةِ العزيز، لكان مُتَّهَمًا، ولكنَّه لمَّا شهِدَ عليها، دَلَّ على صِدْقِه.
وشهادةُ القَراباتِ وأهلِ الميتِ تُقبَلُ مِن بعضِهم على بعضٍ، ما لم يكنْ هناك تُهَمَةُ خصومةٍ؛ لأنَّ القرب مع قريبِهِ والشريكَ مع شريكِهِ بينَهما محبَّةٌ ومودَّةٌ، ويُحِبُّ جَلْبَ الخيرِ له ودفْعَ الشرِّ عنه، فإِنْ شَهِدَ عليه، فكان لتمحُّضِ صِدْقِهِ وإخلاصِهِ في طلبِ الحقّ، ما لم يكنْ هاك تُهَمةٌ بينَهما ككراهيةٍ؛ كشهادةِ الزوجةِ على زوجِها وبينَهما خصومةٌ وكُرْهٌ، وكذلك سائرُ القَرَابات، وهذا يُرجَعُ فيه إلى معرفةِ الحال، وأمَّا شهادةُ القراباتِ والشُّرَكاءِ بعضِهم لبعضٍ، فلا تُقبَلُ؛ للتُّهَمةِ في ذلك.
وقد تقدَّمَ الكلامُ على ذلك عندَ قولِهِ تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [النساء: 135]، وقولِهِ تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8].
وفي هذا: اعتبارُ القريةِ في الفَصْلِ في الخصوماتِ؛ فإنَّ قميصَ يوسُفَ شُقَّ مِن دُبُرِه؛ لأنَّها كانت تطلبُهُ وهو يهرُبُ منها إلى الباب، فجُعِلَ شَقَّ القميصِ مِن الخَلْفِ قرينةَ على هروبِهِ منها، وجُعِلَ شقٌّ
(1)"تفسير الطبري"(13/ 108 - 110)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(7/ 2129).
القصيصِ مِن الإمامِ قرينةً على إقبالِهِ عليها، وجُعِلَ وجودُ شقِّ في القميصِ قرينةً على وجودِ ممتنِعٍ مِن الفاحشةِ مِن الطرَفَيْنِ.
والقرائنُ مُعتبَرةٌ في الشريعة، ومتى قَوِيَت ولم يُوجَدْ قرينةٌ أَقوى منها تُخالِفُها وكانت قويَّة، قامت مقامَ الدليل، وإذا وُجِدَ ما هو مِثلُها أوأَقْوى منها أو ما يُقارِبُها ممَّا يُذهِبُ قُوَّتَها، تُرِكَتْ، كما تقدَّمَ في قرينةِ وضعِ الدمِ على قميصِ يوسُفَ، ورَدِّ يعقوبَ لها بقرائنَ أَقْوى منها.
والقرائنُ ليستْ على مَرْتَبةٍ واحدةٍ في الشريعةِ ولا في العقلِ؛ فإمَّا أن تكونَ قاطعةً، أو ظنيَّةً، أو متوهَّمةً، وكلُّ واحدةٍ مِن هذه القرائنِ تختلِفُ منزلتُها مِن حاكمِ إلى آخَرَ، ومِن حالٍ إلى أُخرى؛ بحسَبِ ما يقعُ في النفوسِ:
فأمَّا القرائنُ القاطعةُ: فهي ما كان الحُجَجُ فيه غيرَ بيَّناتِ: ممَّا يَقطعُ معها الحاكمُ لزومَ الحقِّ لجهةٍ، كانْ يُوجَدَ سجينٌ مقتولٌ بآلةٍ أو بخَنْقٍ بيِّنٍ، ولا يُوجَدُ معه إلَّا واحدٌ، ولا يدخُلُ عليهما أحدٌ، وانتفَتْ قرائنُ الانتحار، وقد تجتمِعُ عِدَّةُ قرائنَ ظنيَّةٍ وتكاثَرُ ولا يُقابِلُها شيءٌ، فتكونُ مجتمِعةً قرينةً قطعيَّةً، وإن كانت كلُّ واحدةٍ منها ظنيَّةً.
والقرائنُ القاطعةُ مُعتبَرةٌ عندَ أكثرِ الفقهاء، وقد قَضَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم لأحدِ ابنَيْ عَفرَاءَ لمَّا تداعَيَا قتلَ أبي جهلٍ، فقال لهما رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:(هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ )، قَالَا: لَا، فَنَظرَ في السَّيْفَيْن، فَقَالَ:(كِلَاكُمَا قَتَلَهُ)، وَقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بنِ عَمرِو بْنِ الْجَمُوحِ (1). فأخَذَ بأثرِ السيفِ وما عليه مِن دمٍ.
ومِن ذلك: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمَرَ المُلْتَقِطَ أن يدفَعَ اللُّقَطَةَ إلى واصِفِها، وأمَرَهُ أن يَعرِفَ عِفاصَها ووِعاءَها ووِكَاءَها؛ فجعَل وَصْفَهُ لها قرينةً تُملِّكُهُ الحقَّ.
(1) أخرجه البخاري (3141)، ومسلم (1752).
وأمَّا القرائنُ الظنيَّةُ: فهي ما كان مِن القرائنِ التي لا تكفي وحدَها للحُكمِ على أحدٍ بحقٍّ، ولا يجسُرُ الحاكمُ معها على تكذيب صاحِبِها ولا تصديقِه، ما لم يأتِ بقرينةِ مِثلِها أو أَقْوى منها، كعدمِ تمزيقِ قميصِ يوسُفَ: قرينةٌ على براءةِ الذئب منه، وكشَقِّ قميصِ يوسُفَ مِن ورائِه: قرينةٌ على أنَّها تُراوِدُهُ لا يُراوِدُها، وقد تجتمِعُ مع ظنيَّاتٍ أُخَرَ، كما تقدَّمَ؛ فتكونُ قرينةً قاطعةً.
وأمَّا القرائنُ المتوهَّمةُ: فهي القرائنُ التي لا اعتبارَ بها، ولو انضَمَّ إليها مِثْلُها، ما لم تَستفِضْ؛ وذلك كوجودِ طعامٍ في بيتِ أحدٍ اتُّهِمَ بسرقتِه، وهذا الطعامُ يُوجَدُ في بيوتِ أكثَرِ الناسِ مِثلُهُ كالتمرِ والعنب، ما لم يكن في بَبْدَرٍ أو وَسْقٍ أو حاويةٍ على وَصفٍ ولونٍ يَختَصُّ بالمسروقِ؛ فتلك قرينةٌ أُخرى تَرفَعُ التوهُّمَ إلى الظنِّ.
ومِن القرائنِ: ما لا يُمكِنُ وصفُهُ ولا تمييزُه؛ وذلك ممَّا يبدو على وجوهِ المُتخاصِمِينَ؛ مِن جسارةٍ بالمُطالَبة، أو ارتباكٍ، أو حِرْصٍ، أو تناقُضِ وتردُّدٍ، فهذا مما لا يَقدِرُ القاضي على التعبيرِ عنه بالكتابة، ولكنَّها قرائنُ تقوِّي غيرَها.
وقد تجتمِعُ قرائنُ مِن ذلك، ظنيَّات مع متوهَّماتٍ، تقوِّي القضاءَ بالقرينة، كما في قولِ سُلَيْمانَ نبيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم للمرأتَينِ اللتَيْنِ ادَّعَتَا الولدَ، فحكَمَ به داودُ صلى الله عليه وسلم للكُبْرى، فقال سُلَيْمان:"ائتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا"، فسمَحَتِ الكُبْرى بذلك، فقالتِ الصُّغرى:"لَا تَفْعَل يَرْحَمُكَ اللهُ، هُوَ ابْنُهَا! "، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغرَى (1).
* * *
(1) أخرجه البخاري (3427)، ومسلم (1720).
* قال تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} [يوسف: 50].
فيه جوازُ الظلُّم، وقد يُستَحَبُّ؛ بل ويجبُ إنْ تعلَّقَ بأمرٍ عظيمٍ يتَّصلُ بدِينِ الشخصِ ويحُولُ بينَهُ وبينَ الحقِّ الذي يُوصلُهُ إلى الناس، ولم يَسقُطْ حقُّ يوسُفَ مع تقادُمِهِ ومُضِيٍّ سنواتِ عليه.
وفي ذلك مِن حِكْمةِ يوسُفَ أنه لم يَنسُب العُدوانَ عليه وظُلْمَهُ إلى زوجةِ العزيزِ؛ إنَّما إلى النِّسْوة، فقال:{مَا بَالُ النِّسْوَةِ} ؛ لأنَّ ذِكْرَه لامرأةِ المَلِكِ يجعلُهُ تأخُذُهُ حميَّةٌ جاهليَّةٌ فيَنتصِرُ لأهل بيتِهِ بالباطلِ ولو ظلَمَ وبَغَى، فمرادُ يوسُفَ الوصولُ إلى الحقِّ ورفعُ الظُّلْم، وليس مرادُهُ التشفِّيَ، وهذا لا يقعُ إلَّا ممَّن أُوتِي حُكْمًا وعِلْمًا؛ كما قال تعالى عن يوسُفَ:{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} [يوسف: 22].
والظالِمونَ يَنتصِرونَ لأنفُسِهم ولو كانتِ الحُجَجُ ضِدَّهم؛ كما قال تعالى: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} [يوسف: 35]، فهم رأَوْا حُجَجَ براءةِ يوسُفَ ومع ذلك سجَنُوهُ.
* * *
قال تعالى: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55].
طلَبَ يوسُفُ الوِلَايةَ والوِزَارةَ بعدَما رأى فسادَ البلادِ وإقبالَها على شرٍّ أعظَمَ ممَّا هي عليه، وفي هذا جوازُ طلبِ الوِلَايةِ والإِمَارةِ إنْ كانتِ الحالُ كتلكَ الحالِ.