الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شحمُ المَيتةِ:
ودخَلَ الشحم وغيرُهُ في حكم اللحمِ؛ لأنه الأصل في الاستعمالِ في لغةِ العرب، فإنِ اشتَرَى الإنسان لحمًا أو باعَهُ، دخَلَ في حُكمِهِ ما تخلَّلَهُ من شحم وعَظم، ولكن لو اشتَرَى شحمًا وعظمًا، لم يدخُل في حُكْمِهِ اللحمُ؛ لأنَّ اللحمَ أصلٌ وَيتبعُهُ غيرُه في حُكمِه.
وأمَّا ما احتَجَّ به أهلُ الظاهرِ في قولِهِ تعالى في سورةِ الأنعامِ: {إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَو دَمًا مَسْفُوحًا أَو لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَو فِسْقًا} [الأنعام: 145]؛ فجعَلُوا وصفَ الرِّجْسِ عائدًا إلى المضافِ إليه، وهو (الخِنزيرُ)، لا إلى المضاف، وهو (اللحمُ):
فاستدلالُهم فيه نظر؛ فإنَّ الضميرَ يعود إلى المضافِ لا إلى المضافِ إليه، ولو عاد في اللغةِ إلى اللحم، فهذا لا يُخرِج غيرَهُ، وإنَّما يَحتاجُ إلى مِثلِ هذا التكلُّفِ اللُّغَويِّ مَن لم يَعرِفِ استعمال العربِ واصطلاحَهُم ووَضعَهم للألفاظ، ومَن عرَفَ استعمال العربِ الذي نزَلَ عليه القرآن، لم يحتَجْ إلى كثيرٍ من الاحتجاجِ عندَ اللُّغويِّينَ.
وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ كلامٌ حولَ جِلْدِ الخِنزيرِ وشَعْرِه.
الرابعُ: ما أُهِلَّ لغيرِ اللهِ به: والمراد بالإهلالِ؛ ما رُفِعَ الصوتُ به لغيرِ الله، فسُمِّيَ غيرُ اللهِ مِن وثنٍ أو صنمٍ أو طاغوتٍ؛ وإنَّما ذُكِرَ الإهلالُ للأغلب؛ لأن العربَ كانت تَجهَرُ بذِكرِ آلهتِها عندَ نَحْرِها، فمَن نوى بذبحِهِ آلهةً غيرَ اللهِ ولو لم يُهِلَّ به، فهو داخلٌ في هذا الحُكمِ بلا خلافٍ، وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ عندَ قولِه:{وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} [173]، الكلامَ على شيءٍ مِن أحكامِ آيةِ الباب.
والنَّحْرُ والذبحُ مِن أعظمِ العباداتِ؛ فمَن صرَفَها لغيرِ الله، فقد أشرَكَ، واللحمُ محرَّمٌ لا يجوزُ لأحدٍ أن يأكُلَهُ ولو لم يذبَحْهُ أو يَرْضَ به هو.
وقد ذكَرَ اللهُ في هذه السورةِ ما ذُبِحَ لغيرِ اللهِ؛ للأصنامِ والطَّواغيت، وفي سورةِ الأنعامِ مزيدُ تفصيلٍ في حُكمِ ما تُرِكَ فيه ذِكْرُ اسمِ الله، فلا يُذبَحُ لغيرِ اللهِ! وإنَّما تُرِكَتِ التسميةُ فيه نسيانًا أو عمدًا مِن غيرِ قصدِ غيرِ الله، وذلك في قولِهِ تعالى:{وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} . [الأنعام: 121].
فمنهم: مَن حمَلَ المرادَ بها على معنى الإهلالِ لغيرِ اللهِ؛ كما في آيةِ البقرةِ: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} [173]، وآيةِ المائدةِ هذه، وآيةِ الأنعامِ الأخرى، وآيةِ النحلِ:{أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3، والأنعام: 145، والنحل: 115]، فجعَلَ المرادَ بعدم ذكرِ الاسمِ في سورة الأنعام، أي: ذكرَ عليها اسمَ غيرِه؛ لأن العربَ لا تذكُرُ اسمَ الله، فتذكُرُ على ذبائحِها اسمَ غيرِه، فعلَّقَ التحريمَ بعدمِ ذِكرِ اسمِ الله، لمعرفةِ الحالِ التي كان عليها التحريمُ.
ومنهم؛ مَن جعَلَ التحريمَ لمجرَّدِ تَرْكِ ذِكْرِ اسمِ الله ولو نسيانًا أو عمدًا ولو لم يكنْ قاصدًا غيرَ اللهِ.
والصحيحُ الأولُ.
الخامس: المُنخَنِقَةُ: وهي التي تموتُ بخَنْقِها وحبسِ نَفَسِها، بفعلِ فاعلٍ بها، أو بفِعْلِها بنفِسها؛ كاستدارتها على حبلٍ يَخنقُها، فهي محرَّمةٌ بلا خلافٍ.
السادسُ: المَوقُوذَةُ: وهي التي تموتُ بشيءٍ ثقيلٍ غيرِ محدَّدٍ كالسَّيْفِ والرُّمْحِ والسهمِ؛ فتموت بالثِّقلِ؛ كرَمْيها بحَجَرٍ أو لوحِ خشبٍ أو عصًا أو سقوطِ السقفِ عليها، فتموتُ بلا ذبحٍ، وإن خرَجَ مها دمٌ يسيرٌ، فهي وقيذٌ؛ وبهذا جاء تفسيرُهُ في الحديثِ كما في "الصحيحينِ"؛ من حديثِ عَدِيِّ بنِ حاتمٍ؛ قال: سألتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ المِعْرَاضِ؟ فقَال: