الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مع سَعَةِ الأقطارِ التي حكَمَتْها تلك الدولُ، وطُولِ المدَّةِ التي تولَّوْا فيها، وإنَّما هم مَوْكُولونَ إلى عملِهم وما قام بأنفُسِهم، واللهُ يفصِلُ بينهم بما يعملودَ هُم أنفسُهم.
وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُسمِّي النَّجَاشِيِّ الملِكَ العادلَ الذي لا يَظلِمُ ولا يُظلَم عندَه أحدٌ، وذكَرَ بعضُ الرُّواةِ أنه سماهُ الملِكَ الصالِحَ؛ وفي هذا: دليلٌ على أن مَن قامَ بالعدلِ على مرادِ اللهِ حسَبَ طاقتِه، فهو عادلٌ وإنْ عجَز عن نِسْبةِ عملِهِ إلى شريعةِ الله، فموافقتُهُ لها في حُكمِهِ كافيةٌ في وصفِهِ بالعدلِ وحالُهُ تلك.
شروطُ مَنْ يُوَلَّى على الوِلَاياتِ:
وفي قولِه تعالى: {حَفِيظٌ عَلِيمٌ} ذكَرَ اللهُ شَرْطَي الولايةِ:
الأَوَّلُ: الأمانةُ؛ وهو قولُهُ تعالى: {حَفِيظٌ} ؛ أي: أمينٌ.
الثاني: القوةُ، وهو قولُه:{عَلِيمٌ} ؛ أي: عليمٌ بالأمرِ خبيرٌ به، وليس المرادُ ذلك قوَّةَ البدَنِ فحَسْبُ، بل القوَّةَ التي يَتحصَّلُ بها معرفةُ الحقّ، سواءٌ كانتْ عقليَّةً، وهي العِلْمُ، أو بدنيَّةً، وهي قُدْرةُ البدَنِ على التصرُّفِ.
وذِكرُ اللهِ لهذَيْنِ الشرطَينِ نظيرُ قولِ ابنةِ صاحِبِ مَدْيَنَ عن موسى: {يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26)} [القصص: 26]، وقال عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ لسليمانَ:{أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: 39]، وقد مدَحَ اللهُ جِبريلَ لِمَا جَعَلَهُ عليه مِن ذلك فقال تعالى:{ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} [التكوير: 20، 21].
فمَنْ جمَعَ الشرطَين، كان أهلًا للوِلَاية، فقولُه {حَفِيظٌ}؛ أي: أمينٌ، وقولُه:{عَلِيمٌ} عالِمٌ عارِفٌ بما وُلِّيتُ عليه؛ فقد يكونُ الرجلُ أمينًا في نفسِه، صادقًا في نِيَّتِهِ وقصدِه، ولكنَّه جاهلٌ فيما يتولَّاهُ، فيُفسِدُ
بجهلِه، ولا ينتفِعُ الناسُ بأمانتِه، وقد يكونُ الرجُلُ عالمًا عارفًا بما تولَّاه صاحِبَ خِبْرةٍ به، ولكنَّه ضعيفُ الأمانةِ والدِّيانة، فيَسرِقُ ويَخُونُ ويأخُذُ الرِّشْوةَ في عملِه، فلم ينتفعِ الناسُ بعِلْمِهِ وخِبْرتِه.
وتجبُ المُوازَنةُ بينَ تحصيلِ القوةِ والأمانةِ في صاحِبِ الولاية، وهذا لا بدَّ معه مِن النظرِ إلى نوعِ الولايةِ:
فمِن الولاياتِ ما تحتاجُ إلى تغليب الأمانةِ على القوةِ عندَ فَقدِ الجمعِ بينَ كمالِ الاثنتَيْن، كولايةِ المالِ؛ فلن ينتفعَ بيتُ المالِ ووِزَاراتُ المالِ مِن خبيرِ بالاقتصادِ والحسابِ دقيقِ به إنْ كان ضعيفَ الأمانةِ؛ فيَسرِقُ ويختلِسُ ويَرتشِي؛ فقد يقعُ منه مِن ضياعِ الأموالِ ما لو تولَّى مَن هو أقلُّ منه خِبْرة لَصَلَحَ الحالُ.
ومِن الولاياتِ: ما ينبغي تغليبُ القوةِ البدنيَّةِ والعقليَّةِ على الأمانةِ إن لم يُمكِن الجمعُ بينَ الاثنتَيْنِ؛ وذلك في القتالِ وجهادِ العدوِّ؛ فإنَّه يحتاحُ إلى الخِبْرةِ العسكريَّةِ أكثَرَ مِن الأمانةِ التي يُحتاجُ إليها في الأموالِ والأعراضِ أكثَرَ.
وكثيرًا ما يُلتفَتُ اليومَ إلى العِلْمِ والخِبْرة، ويُنظَرُ في الشهادات، وتُوَلَّى الولاياتُ لأجلِ ذلك، ويُغفَلُ جانبُ الأمانةِ؛ حتى أصبَحَ في أكثرِ الدولِ لا اعتبارَ له، ولا يُفرَّقُ لينَ ما يجبُ أن تُغلَّبَ فيه الأمانةُ، وما يجبُ أن يُغلَّبَ فيه العِلْمُ، وتغليب أحدِ الوصفَينِ لا يَعني جوازَ انعدامِ الوصفِ الآخَر، ولكنْ يُقبَلُ ضَعْفهُ وقِلَّتُه.
وإذا خرَجَ الحاكمُ في الولايةِ عن هذَيْنِ الوصفَين، واختارَ مَن يهواهُ لمحبَّةٍ وقَرَابةٍ وصداقةٍ، ضاعَ مِن أمرِ الأمَّةِ بمِقدارِ ما فاتَ مِن هذَيْنِ الوصفَين؛ فقد روى البيهقيُّ؛ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ مرفوعًا: (مَنِ اسْتَعْمَلَ عَامِلًا مِنَ المُسْلِمِينَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ فِيهِمْ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُ وَأَعْلَمَ
بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّه، فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمِيعَ المُسْلِمِينَ) (1).
وقد روى إسماعيلُ بن إبراهيمَ بنِ مهاجرٍ، عن عمرَ بن الخطَّابِ رضي الله عنه؛ أنَّه قال:"مَن استعمَلَ رجلًا لِمَوَدَّةٍ أو لقَرَابةٍ، لا يستعملُهُ إلَّا لذلك، ففد خانَ اللَّهَ ورسولَهُ والمؤمِنينَ"(2).
ويكثُرُ اختِلالُ هذَيْنِ الوصفَيْنِ في الولاياتِ في آخِرِ الزمانِ عندَ ضَعْفِ الدِّيانةِ والأمانةِ، وبأولئك تكثُرُ الفِتَنُ ويعظُمُ الظُّلْمُ، وقد قال صلى الله عليه وسلم:(إِذَا أُسْنِدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِه، فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ)؛ رواهُ البخاريُّ (3).
وغيرُ أهلِه هم الذين فقَدُوا الوصفَيْنِ، فوَلَّوْا وتَوَلَّوْا بالهَوَى.
* * *
* قال تعالى: {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [يوسف: 66].
في هذه الآيةِ: ضمانُ إخوةِ يوسُفَ احضارَ أَخِيهِم، وفي هذا: دليلٌ على أنَّه يصحُّ ضمانُ الحضور، وهي كفالةُ بدَنِ مَن عليه دَيْنٌ، وهي صحيحةٌ عندَ عامَّةِ العلماء، فمَن ضَمِنَ حضورَ أحدٍ وكَفَلَهُ، وجَبَ عليه ولَزِمَهُ ذلك، وقد ذهَبَ الشافعيُّ: إلى ضَعْفِها مِن جهةِ القياس، وظاهرُ الكتابِ ثبوتُها؛ كما في هذه الآيةِ.
وأمَّا الضمانُ للمالِ، فيأتي الكلامُ عليه في قولِهِ:{وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [يوسف: 72].
* * *
(1) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 118).
(2)
"مسند الفاروق" لابن كثير (2/ 537).
(3)
أخرجه البخاري (6496).
* قال تعالى: {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70)} [يوسف: 70].
في هذه الآيةِ: جوازُ اسنعمالِ الحِيلَةِ لدفعِ الضُّرِّ وأخذِ الحقِّ البيِّنِ وإعادتِهِ إلى صاحِبِه، فيوسُفُ أحَقُّ بأخيهِ منهم، ولم يَقدِرْ أنْ يأخُذَ أخاهُ منهم ببيِّنةٍ، وإنَّما قدَرَ أن يأخذَهُ بتلك الحِيلةِ فأخَذَهُ.
وفي قوله تعالى: {أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} وصفٌ للجميعِ وهو يَقصِدُ إخوانَهُ، وَيَحتمِل أنَّه خاطَبَهُمْ بالسرقة الحادثةِ وهو يُريدُ سرقتَهُم القديمةَ له مِن أبيهِ بتحايُلٍ عليه؛ فأرادَ أن يُعامِلَهم بمِثْلِ ذلك؛ فالجزاءُ مِن جنسِ العملِ.
واستعمالُ الحِيَلِ إنَّما هو سلوكٌ لطُرُقٍ خفيَّةٍ غيرِ معتادةٍ ولا يُتفطَّنُ لها إلَّا بذكاءٍ؛ لأخذِ الحقِّ ودفعِ الظُّلْمِ عندَ العجزِ عن ذلك بالطرُقِ المعروفة، وسلوكُ تلك الطرُقِ الخفيَّة لا يَلزمُ منه كونُها محظورةً بعَينِها؛ وإنَّما المَأْخَذُ فيها أنَّها خفيَّةٌ لا يظُنُّ الخَصْمُ أنَّها مقصودةٌ، فيتعاملُ معها على اعتقادٍ ظاهرٍ يُخالِفُ الباطنَ.
وقد تكونُ الحِيَلُ مباحةً، وقد تكونُ محرَّمةً؛ وذلك بحسَبِ النظرِ إلى الغايةِ ونوعِ الوسيلةِ، فبالنظرِ إلى هاتَيْنِ الجهتَيْنِ تُعرَفُ مَرتبةُ الحِيَلِ بين الحِلِّ والحُرْمةِ، والوجوبِ والكراهةِ والاستحبابِ.
ولمَّا كانتِ الحِيَل أخذًا بغبرِ الظاهر، كَرِهَها كثيرٌ مِن السلف، ولم يكونوا يكتبُونَ فيها ولا يُعلِّمونَها الناسَ؛ فليست عِلمًا يُتَّخَذُ أصلًا في التعامُلِ وأخذِ الحقوق، فمَن جعَلَهُ أصلًا في تعامُلِه وخصوماتِهِ وقَعَ في المنهيِّ عنه بلا ريبٍ.
وأسوأُ الحِيَلِ: التي تُتَّخَذُ للوصولِ إلى ما حرَّمَ اللَّهُ؛ كالتحايُلِ على
أكلِ الحرامِ كما فعَلَتِ اليهودُ، وكنكاحِ التحليلِ والشِّغَارِ وغيرِ ذلك.
واستعمالُ يوسُفَ: مِن الحِيلَةِ المشروعة، التي لا يُرتكَبُ فيها وسيلةٌ محظورةٌ ولا الوصولُ إلى غايةٍ محرَّمةٍ، بل هي مِن الوسائلِ المباحةِ والغاياتِ المشروعة، وقد جعَلَ اللَّهُ ذلك مِن الكيدِ الذي وَفَّقَ له يوسُفَ؛ كما في قولِهِ تعالى:{كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} [يوسف: 76].
ومِن هذا قولُهُ تعالى لأيُّوبَ: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص: 44].
ومِن ذلك: ما جاء في "الصحيحَيْنِ"؛ و"السُّننِ"، مِن حديثِ أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ رضي الله عنهما؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنيِب، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ )، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّه، إنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَينِ بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(فَلَا تَفْعَلْ، بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا)(1).
فأراد النبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَخْرجًا للوصولِ إلى الحلالِ بوسيلةٍ مباحةٍ، والحِيَلُ قد تكون خفيَّةً جِدًّا، وقد يكونُ خفاؤُها ليس شديدًا؛ كما في حديثِ التمرِ الجَنِيبِ هذا.
* * *
* قال تعالى: {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [يوسف: 72].
لمَّا أُعلِنَ في الناسِ فَقْدُ صُوَاعِ الملِكِ ولم يُعرَفْ مكانُهُ منهم، جعَلَ لمَن يجدُهُ جائزةً، وهي حِمْلُ البعير، وضَمِنَها لواجِدِها.
(1) أخرجه البخاري (2201)، ومسلم (1593).