الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لمداواةِ خواطرِ النفوسِ ووساوسِ الشيطانِ عليها؛ لأنَّ النفسَ تتشوَّفُ إلى الممنوعِ أكثرَ مِن تشوُّفِها إلى المسموحِ.
وهذا ما أوقَعَ آدمَ عليه السلام في أكلِ الشَّجَرةِ وهي واحدةٌ، مع كثرةِ الحلالِ في الجَنَّةِ ووَفرَتِهِ ممَّا يَذهب الزَّمَنُ الطويل عن تذوُّقهِ كلِّه.
ولمَّا كانتِ النفوسُ كذلك، ذكرَ الله الحلال مع أنه لا يُعَدُّ، أكثَرَ مِن ذكرهِ للحرامِ مع كونه معدودًا، ويَنهى الله في القرآنِ عن تحريمِ الحلالِ أكثَرَ مِن نهيِه عن تحليلِ الحرام؛ لأن التحريمَ يُشعِرُ النفوسَ بالتشديدِ ولو كان قليلًا، أكثَرَ مِن شعورِها بالتيسيرِ عندَ التحليلِ ولو كان كثيرًا.
وهذا مِن أنواعِ البلاءِ الذي تحتاجُ النفوسُ معه إلى مجاهدةٍ، ويحتاجُ معه العلماءُ إلى موازَنةِ؛ وذلك بكثرةِ عَرْضِ الحلالِ والتذكيرِ به، وبيانِ المحرَّمِ وتعدادِهِ وحَصْرِه، مع عِظَمِ التعدِّي في الأمرَينِ في الدِّينِ: تحليلِ الحرامِ وتحريمِ الحلالِ.
فينبغي للعالِمِ إن سُئِلَ عن محرَّم، وكان خطابُهُ عامًّا أن يَقتديَ بهَدْيِ القرآن، فيَقرِنَ معه الحلال وينصَّ عليه؛ حتى لا يَشعُرَ السامعُ لتعدادِ المحرَّمِ بالضيقِ والتشديدِ والحرَج، ويضعُفَ تسليمُهُ لأمرِ ربِّه، وهذا عندَ ذِكْرِ كل محرَّمٍ مِن مأكولٍ أو ملبوسٍ أو غيرِه، وخاصَّةً في الخِطَابِ العامّ، وأمَّا خطابُ الأفرادِ وسؤالُهُم، فالأمرُ فيه أيسَرُ؛ لأنَّ التَّبِعَةَ فيه أقلُّ؛ ولذا كثُرَ في السُّنَّةِ جوابُ أفرادٍ عن محرَّماتٍ مِن غيرِ أن يقترنَ بها مباحٌ.
تحريم الحلالِ أشدُّ مِن تحليلِ الحرامِ؛ وبيانُ الغايةِ من ذلك:
والنهيُ عن تحريمِ الحلالِ أكثَرُ في القرآنِ وأشَدُّ مِن النهي عن تحليلِ الحرام، مع كونِ الحلالِ لا يُعَدُّ والحرام معدودًا؛ ومن ذلك قولُهُ تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 87]،
وقولُهُ: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} [الأعراف: 32]، وقولُهُ تعالى لنبيِّه:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: 1]، وذلك لأمورٍ وغاياتٍ عديدةٍ؛ منها:
الأوَّلُ: أن حقَّ اللهِ في تحريمِ الأشياءِ يَظهَرُ أكثَرَ مِن حقِّه في التحليلِ؛ وكلُّها حقٌّ له، والتشريعُ في التحريمِ يَظهرُ معه قوةُ تصرُّفِ المحرِّمِ والانقيادُ له أكثَرَ مِن المحلِّلِ؛ لأنَّ الحرامَ استثناءٌ، والحلال أصلٌ، والناسُ تَتْبَعُ المانعَ رغبةً ورهبةً، وتَتْبَعُ المُبِيحَ رغبةً، فالسُّلطانُ الذي يُحِلُّ تنقادُ له النَّاسُ رغبةً؛ لأنها لا تُحِبُّ المنعَ وإن لم تَقترِفِ المباحَ، ومَن يُحِلُّ ويُحرِّمُ أو يُحرِّمُ فقط، تنقادُ له الناس رغبةً ورهبةً؛ لأنَّه لا يَمنعُ -غالبًا- إلا القادرُ على عقوبةِ المخالِفِ.
الثاني: أن الحرامَ يَلزَمُ مِن الوقوعِ فيه عقوبةٌ، بخلافِ الحلالِ، فلا يلزم مِن تَرْكِهِ عقابٌ، ولا مِن فِعْلِهِ ثوابٌ، وسواءٌ كانتِ العقوبةُ مقدَّرةً أو مُضمَرةً؛ فهي حقٌّ للهِ.
الثالثُ: أنَّ تحريمَ الحلالِ يظهَرُ فيه الظُّلْمُ في حقِّ اللهِ وحقِّ الناس، وأمَّا تحليلُ الحرام، فيَغلِبُ عليه الظلم في حقِّ اللهِ وَحْدَه؛ لأنَّ الناسَ يَغلِبُ عليها ضبطُ حياتِها والاهتمام بالدُّنيا؛ فيُحبُّونَ العدلَ بينهم، وأمَّا حقُّ الله، فأكثر الناسِ يَحِيدُونَ عنه، ولذا ذكَرَ اللهُ أنَّ أكثَرَ الناسِ لا يُؤمِنونَ ولا يَعقِلونَ ولا يَشكرونَ.
الرابعُ: أنَّ تحريمَ ما أحَلَّ الله ينفِّرُ مِن المحرِّمِ وشريعتِهِ أكثَرَ مِن المحلِّلِ إذا أحَلَّ المحرَّمَ! لأنَّ المحرَّماتِ يَغلِبُ عليها الشهواتُ، وأعظَمُ التحريم ما كان باسم الله، وليس منه.
وقد جاءت آيةُ المائدةِ هذه بحِلِّ الطيِّبات، وتقدَّمَ في مواضعَ مِن سورة البقرةِ الكلامُ على الطيِّباتِ ومعناها وحِلِّها؛ منها قولُهُ تعالى: