الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التكفيرِ من العِباد، ومَن أُقِيمَ عليه الحدُّ، سقَطَ عنه إثمُ جُرْمِه، كما أنَّ مَن تابَ ولم يُقَمْ عليه الحدُّ وحَسُنتْ توبتُه، سقَطَ عنه إثمُ جُرْمِهِ في حقِّ الله، ومُقتضى رحمةِ اللهِ: ألَّا يَجمَعَ على عبدِه عقوبتَيْنِ.
والأخذُ بظاهرِ الآيةِ مِن غيرِ اعتبارٍ لتفصيلِ السُّنةِ: يَلزَمُ منه أنَّ التوبةَ وحدَها مُسقِطةٌ حتى لحقوقِ الآدميِّينَ كما تُسقِطُ حقَّ الله، وتفصيلُ السُّنةِ يُخالِفُ هذا الإطلاقَ.
والتوبةُ في الآية مقيَّدةٌ في إسقاطِ الحدِّ عنه، وهي التوبةُ الظاهرةُ والإقلاعُ عن الذنبِ؛ فالتوبةُ الظاهِرةُ فقطْ تُسقِطُ الحدَّ بشروطِه، والتوبةُ الباطنةُ تُسقط حقَّ اللهِ في الآخِرةِ بشروطِه؛ ولذا ختَمَ اللهُ الآيةَ بقولِه:{فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
قال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
أحوالُ توبةِ المحاربينَ:
التوبةُ مِن اللهِ مقبولةٌ من كلِّ ذنبٍ، وأمَّا في حُكْمِ المُحارِبِ في الدُّنيا، فهي على حالَيْنِ:
الأُولى: إن كان المُحارب كافرًا يهوديًّا أو نصرانيًّا أو مشرِكًا أو ملحِدًا، فتابَ من كُفْرِهِ ومحاربتِه وأسلَمَ، فتوبتُهُ تأتي على الكفرِ وعلى المحارَبةِ وما فيها مِن إصابةِ دمٍ أو مالٍ، والإسلامُ يجُبُّ ما قبلَهُ ولو كان قتلًا وسرقةً واغتصابًا، وقد قَبِلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إسلامَ جماعةٍ من الصحابةِ وكانوا قبلَ ذلك يَقطَعونَ طريقَهُ وطريقَ أصحابِهِ ويُخوِّفونَهم وربَّما سلَبُوا مالَهم، ومنهم وَحْشِيٌّ، فقد قتَلَ حمزةَ بن عبد المَطَّلِب، وقد أقَرَّ بينَ يدَي النبيِّ صلى الله عليه وسلم بقتلِه له؛ كما في "الصحيحِ"(1)، وترَكَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم.
(1) أخرجه البخاري (4072)(5/ 100).
وجعَل بعضُ السلفِ هذه الآية في المُشرِكينَ؛ صحَّ عن مجاهدٍ وقتادةَ وعطاءٍ الخراسانيِّ (1).
ولا خلافَ عند السلفِ والخَلَفِ: أنَّ المُشرِكَ المُحارِبَ تسقُطُ مُحاربتُهُ وعقوبتُهُ بإسلامِه، وكلُّ ما أصاب مِن دمٍ أو مالٍ، فهو هَدرٌ؛ وذلك أنَّ في طلبِ ذلك صَدًّا لهم عن الدخولِ في الإسلام؛ فلو عَلِمَ أحدٌ من المُشرِكينَ المُحارِبينَ أنَّ المُسلِمينَ يَطلُبونَهُ لِما سبَقَ منه مِن تخويفٍ وقطعِ سبيلٍ ودمٍ ومالٍ، لَمَا أقبَلَ على الإسلامِ أحدٌ منهم إلا ما شاء اللهُ، وما مِن أحدٍ من المُشرِكينَ المحارِبينَ بمكَّةَ إلَّا وله سابِقةُ محارَبةٍ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه، ومع هذا لم يُطالِبِ النبيُّ مَن أسلَمَ منهم بشيءٍ ممَّا سبَقَ.
الثانيةُ: إن كان المحارِبُ مُسلِمًا، فلا تخلو توبتُه مِن صورتَيْنِ:
الصورةُ الأُولى: إنْ كان الحاكمُ قادرًا عليه لو طلَبَهُ، وإنْ طال طلبُهُ، والمُدَّة التي يطلُبُه فيها لا يكونُ فيها فسادٌ يُوازِي مصلحةَ طلبَه، فلا تُقبَلُ منه توبتُهُ ولو امتنَعَ عن تسليمِ نفسِهِ إِلَّا بقَبُولِها؛ وعلى هذا يُحمَلُ نهيُ غيرِ واحدٍ من السلفِ عن قَبُولِ توبة المحارِبِ؛ لأنَّ مصلحةَ إقامةِ الحدِّ أعظَمُ، وبتركِها وقَبُولِ توبةِ كلِّ محارِبٍ يَعرِضُ توبتَهُ: يتجرَّأُ الناسُ على الحُرُماتِ وقطعِ السبيلِ؛ وقد صحَّ عن هشامِ بنِ عُرْوةَ: أنَّهم سألُوا عُرْوةَ عمَّن تلصَّصَ في الإسلامِ فأصابَ حدودًا ثم جاء تائبًا، فقال:"لا تُقبَلُ توبتُهُ، لو قُبِلَ ذلك منهم، اجترَؤُوا عليه، وكان فسادًا كبيرًا؛ ولكن لو فَرَّ إلى العدوّ، ثم جاء تائبًا، لم أَرَ عليه عقوبةً"(2).
وبهذا قال غيرُ واحدٍ؛ كالأوزاعيِّ وغيرِه.
(1)"تفسير الطبري"(8/ 392 - 393).
(2)
"تفسير الطبري"(8/ 398).
وعليه يُحمَلُ ما جاء عن عِكْرمةَ والحسنِ في هذه الآيةِ: أنَّهما قالا: إنَّ آيةَ التوبةِ مِن الحِرَابةِ هذه لا تُحرِزُ المُسلِمَ.
والصورةُ الثانيةُ: أن يُحارِبَ فيُطلَبَ ويُعرفَ أمرُهُ ويُعجَزَ عنه، ويُعلِّقَ أمْرَ توبتِهِ بالعفوِ عنه، والإمامُ عاجِزٌ عنه، ولو لم تُقبَلْ توبتُهُ، استمَرَّ فسادُهُ وإفسادُه؛ فإنَّ توبتَهُ تُقبَلُ ويَسقُطُ عنه الحقُّ المُناطُ بالحاكم، وهو الصَّلّبُ والقتلُ والقطعُ مِن خِلَافٍ، واختُلِفَ في حقوقِ الناسِ: فقال بإسقاطِها جميعًا اللَّيْثُ.
وبقَبُولِ التوبةِ عمِلَ الصحابةُ؛ فقد جاء عن عليٍّ وأبي موسى وابن عباسٍ والحسنِ بن عليٍّ وعبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ وغيرهم؛ كما رَوى ابنُ أبي حاتمٍ؛ من حديث مُجالِدٍ، عن الشَّعْبيِّ؛ قال:"كان حارثةُ بن بَدْرٍ التميميُّ مِن أهلِ البصرة، وكان قد أفسَدَ في الأرضِ وحارَبَ، فكلَّمَ رجالًا من قريشٍ، منهم الحسنُ بن عليٍّ وابنُ عبَّاسٍ وعبدُ اللهِ بن جعفرٍ، فكلَّمُوا عليًّا فيه، فلم يُؤمِّنْهُ، فأتَى سعيدَ بنَ قيسٍ الهَمْدَانيَّ فخلفه في دارِه، ثم أتَى عليًّا، فقال: يا أميرَ المؤمِنينَ، أرأيتَ مَن حارَبَ اللَّه ورسولَه، وسعَى في الأرضِ فسادًا، فقرَأَ حتى بلغ: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ}، قال: فكتَبَ له أمانًا، قال سعيدُ بن قيسٍ: فإنَّه حارثةُ بن بَدْرٍ"(1).
ورَوى الشعبيُّ نحوَهُ عن أبي موسى زمنَ عثمانَ بنِ عفَّانَ؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ (2).
وذهَبَ الضحَّاكُ وابن شهاب والليثُ ومالكٌ والأوزاعيُّ والشافعيُّ: إلى أنَّ مَن خِيفَ استطارةُ شَرِّهِ إنْ لم يُعْفَ عنه، وهو قادرٌ على
(1)"تفسير ابن كثير"(3/ 102). وينظر: "تفسير الطبري"(8/ 394).
(2)
"تفسير الطبري"(8/ 395).
الاستمرارِ بالإفسادِ: أنه يُعفَى عنه؛ دفعًا لشرٍّ أعظَمَ مُتحقِّقٍ؛ وهذا مِن الفقه، فيُرجَعُ في ذلك إلى تحقُّقِ استمرارِ إفسادِهِ ومدى عجزِ الحاكمِ عنه: ومال إليه ابنُ جريرٍ (1).
ويَنُصُّ مالكٌ والشافعيُّ على أنَّ ما أصابتْ يدُه مِن مالٍ أو دمٍ، وطالَبَ به مُدَّعٍ بعينِهِ وقامَتِ البيِّنةُ عليه، فإنَّ المالَ يعودُ لأهلِه؛ والدمَ يُقادُ به، ويسقُطُ عنه حدُّ الحِرابةِ المتعلِّقُ بالحاكمِ.
ومَن حارَبَ وأخافَ وقطَعَ السبيلَ، ثم تابَ واستتَرَ ولم يُعلَمْ أمرُهُ إلَّا بعدَ زمنٍ من صلاحِهِ بشهادةِ أحدٍ عليه، فإنَّه يُترَكُ إلَّا مِن الحقوقِ الخاصَّةِ؛ لدخولِهِ في التوبةِ قبلَ القُدْرة، ولكونِ المفسدةِ مِن قَبُولِ توبتِهِ منتفيةً؛ لاستتارِهِ وخفاءِ أمرِهِ وانتهاءِ زمنِها، وربَّما يكونُ في إقامةِ الحدِّ عليه بعدَ طولِ زمنِ صلاحِهِ إفسادٌ له، وقدحٌ في عدالتِهِ التي استقَرَّ عليها أمرُه.
* * *
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)} [المائدة: 35].
في هذه الآية: الإشارةُ إلى ديمومة شِرْعَةِ الجهاد، وأنَّ دَوَامَها كدوام التقوى وابتغاءِ الوسيلةِ إلى الله، وإنَّما تَختِلفُ جهتُهُ وأرضُه، ولا يجوزُ رفعُهُ من الأرض، إلَّا بزمانٍ وعهدٍ محدودٍ؛ فإنَّ العهدَ الدائمَ على تركِ الجهادِ على كلِّ الأممِ إبطالٌ له وإلغاءٌ لتشريعِه، ولكنْ قد يصحُّ عهدٌ دائمٌ لجهةٍ وأرضٍ وعدوٍّ بعينِهِ لا كلِّ الأممِ؛ فقد
(1)"تفسير الطبري"(8/ 401).