الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مؤمِنة وكافِرةَ كأبي حنيفةَ، خلافًا لجمهورِ العلماءِ الذين قاسُوا كفَّارةَ اليمينِ على كفَّارة القتلِ.
ويختلِفُ أهلُ الأصولِ في المسائلِ التي تتَّفقُ حُكْمًا وتختلِف سببًا: هل يحمَلُ مطلَقها على مقيَّدِها أو لا؟ ومِن فروعِ هذه المسألةِ: الرقبة في كفارة اليمين.
ولما أراد معاوية بن الحَكَم عِتقَ رَقَبة، سألَها النبي صلى الله عليه وسلم:(أَينَ اللهُ؟ )، قَالَت: فِي السمَاء، فقال، (أعتقِهَا؛ فَإِنهَا مُؤْمِنَةْ)(1).
وهذا في كلُّ عِتقِ رقبةٍ مِن الكفاراتِ.
ويجب أن تكونَ الرقبةُ سليمةَ مِن العيوب، ولا فرقَ بينَ ذَكَرِ وأنثى، وكبير وصغيرٍ.
تكفيرُ اليمين بالصيام:
وقوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} ، لا خلافَ أنه لا يُصارُ إلى الصيامِ إلا بعدَ العجزِ عن الإطعامِ والكِسوةِ والرقبة، ويثبت العجز في الطعامِ بنقص قُوتِهِ إن أطعَمَ عن قوتِ عيالِه، وكِسوتهِ إن كَسَا عن كسوتِهم، ومِثله مَن لا يَملِكُ الطعامَ والكِسَاءَ وعِتْقَ الرقبةِ إلا بدَينٍ.
التتابُعُ في صيام الكفارة:
واختلَفَ العلماءُ في وجوبِ التتابعِ في كفارة اليمين، مع اتِّفاقِهم على فضلِه؛ لكونِه أبرَأ للذِّمةِ وأعجَلَ للبر والخيرِ:
فذهب أبو حنيفةَ، ومعه الشافعي وأحمدُ في قولِ لهما: إلى وجوب التتابُع؛ واحتجوا بقراءةِ أبَيٍّ وابنِ مسعود: (فَصِيَام ثلَاثَةِ أيام
(1) أخرجه مسلم (537)(1/ 381).
مُتَتَابِعَاتٍ) (1)، وصحَّ التتابُعُ عن ابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ، وهو قولُ أصحابِ ابنِ مسعودٍ.
وجعَلَ مجاهدٌ كلَّ صومِ في القرآنِ مُتتابعًا إلَّا قضاءَ رمضانَ؛ لأنَّ اللهَ قال فيه: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184](2).
واحتُجَّ لهذا القولِ بوجوبِ التتابُعِ في كفَّارةِ القتلِ وكفَّارةِ الظِّهارِ: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [النساء: 92، والمجادلة: 4].
وذهَبَ إلى عدمِ وجوبِ التتابُعِ: بعضُ السلفِ؛ كعطاءٍ، وهو قولُ مالكٍ والقولُ الآخرُ للشافعيِّ وأحمدَ.
وقد أمَرَ اللهُ بحفظِ الأيْمانِ؛ تعظيمًا للهِ عن أن يكونَ عُرْضةً في كلِّ شيءٍ وحِفْطًا للعهودِ مِن أنْ يتساهَلَ الناسُ في نقضِها؛ فتَهُونَ فيما بينَهم.
* * *
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90].
تقدَّمَ الكلامُ على حُكْمِ الخمرِ والمَيسِير في سورةِ البقرةِ عندَ قولِ اللهِ تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} الآيةَ [البقرة: 219]؛ وهذه الآيةُ أولُ آيةٍ صريحةٍ في تحريمِ الخمر، ولا خلافَ أنَّها أصرَحُ مِن آيةِ البقرةِ السابقةِ وآيةِ النِّساءِ:{لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43]، ورَوَى ابنُ جريرٍ، عن سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ؛ قال: "لمَّا نزَلَتْ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} ، فكَرِهَها قومٌ؛ لقولِهِ:{فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} ، وشَرِبَها قومٌ؛
(1)"تفسير الطبري"(8/ 652).
(2)
"تفسير الطبري"(8/ 652).