الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ترتيبُ أعضاءِ الفرضِ الواحدِ:
وأمَّا عدمُ الترتيب بينَ أعضاءِ الفرضِ الواحدِ؛ كالقَدمَيْنِ واليدَينِ في الغَسْل، وفي الخُفينِ في المسح، فالأمرُ فيه يسير، وقد جاء عن علي وابنِ مسعود القول بجوازِ تنكيس الأعضاء، وهو منقطِع عنهما، وحمَلَهُ أحمد على تقديمِ اليُسرَى على اليمنَى في العضوِ من الفرض، كما نقَلَه عنه ابنُه عبد الله، وقد استدَلَّ أحمد بجوازِ ذلك بإجمالِ الكتابِ؛ كما نقله عنه ابن هانئ (1)؛ وهي رواية أنكرها الزركشي (2).
ويروى عن أحمد رواية بوجوب تقديم اليمين على الشمال، وقد قال بجواز تنكيس الأعضاء جميعا النخَعي والحسَنُ والثوري، وبه قال أهلُ الرأيِ.
ويخفف بعض السلفِ في تركِ اللُّمعةِ والبُقْعةِ اليسِيرةِ من عضوٍ قد غسَلَهُ؛ فلا يرَوْنَ في استدراكِها بعدَ الوضوءِ مِن حَرَج، ولو كانتْ في غيرِ القدمِ كالوجهِ واليد، ولا يرَونَ غسلَ ما بعدَها؛ وجاء هذا عن سالمِ بنِ عمرَ.
ثم قال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} ، فيه وجوبُ الغُسْلِ من الجنابة، وأن الوضوءَ لا يرفَعُهَا بالإجماعِ؛ ولكنْ يخفِّفها بما لا تُستَحَلُّ معه الصلاة، وقد استدَل أحمدُ بعمومِ الآيةِ على أن الرجلَ إن وطئ امرأتَهُ وهي حائِض: أنه يجب عليها الغسل للجنابةِ ولو لم ينقطع حيضُهَا؛ كما نقلَه عنه أبو يعلى، ونقَلَ عَنه ابن منصور التيسيرَ في ذلك (3).
وبهذه الآية استدَلَّ أحمدُ على عدمِ وجوب الترتيب في غسلِ
(1)"مسائل عبد الله"(27)، و"مسائل ابن هانئ"(1/ 14).
(2)
"شرح الزركشي"(1/ 34).
(3)
"الروايتين والوَجْهَين"(1/ 100)، "ومسائل ابن منصور"(1/ 90).
الجنابة؛ لأنَّ الله أجمَلَ عند الأمرِ بالغُسل، ورَتَّب عند الوضوء.
ثم قال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَو عَلَى سَفَرٍ أَو جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَو لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} ، وقد تقدمَ الكلامُ على شيء مِن معنى ملامَسةِ النساءِ والتيمم والماء، وحكمِ ذلك في سورةِ النساءِ عندَ قولِهِ تعالى:{فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [43].
ثم قال تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} ؛ وهذه إرادتُه الشرعيَّة، وهي أحكامُه حلالُهُ وحرامُهُ وتشريعه، فلا يُنزِلُ حُكمًا إلا وهو مقدور عليه مِن المكلَّفِينَ؛ كما قال:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286].
ثم قال: {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ، وفي هذا ذِكْرُ التعليلِ؛ أنه سبحانَه لم يُرِدِ المشقةَ على عبادِه، ولكنه أراد تطهيرَهم وتنزيهَهُم مِن الأنجاس والأقذار، وذِكرُ التعليلِ والغايةِ مع الحُكمِ فيه تسكين للنفوسِ لِتقبلَهُ وتُسَلِّمَ به، وهذا إن كان في حكمِ الخالقِ للمخلوق، فإن حُكْمَ الحاكمِ مع المحكومِ والراعِي مع الرعيةِ: مِن باب أولى.
وأضافَ اللهُ النعمةَ إليه؛ تعظيما لها، وهي نِعْمةُ الإسلامِ وما فيه مِن تشريع وأحكامٍ وحِكَم لصالحِ العباد، ثم أراد مِن العِبادِ شُكرَ النعمة، وأعظم النعَمِ المُستحِقةِ للشكرِ نعمةُ ديِنه وتشريعِه، وكلما تجلى للعبدِ شيء مِن عِلمِ الوحيِ أو العملِ به، فإن ذلك يَستوجب تجديدَ الشكرِ؛ ليُحفَظَ الدين مِن سُوءِ القصدِ وسُوءِ العملِ.
خاطب اللهُ المؤمِنينَ وأمرَهم بالعدل والقسطِ وألَّا ينتصروا لأنفسِهِم، فقال:{كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ} ؛ يعني: لا لأنفسِكُم؛ فتأخذوا بالثأرِ لها؛ فتقيموا أنفسكم مقامَ الله، وَتظنوا أنكم تنتصِرونَ له. وكثيرا ما ينتصِر الرجلُ لنفسِهِ ويظن أنه ينتصر لله؛ وذلك عند اختلاطِ حقه بحق الله فيمتزجانِ؛ فتنشط النفسُ إذا بُغِيَ عليها أكثَرَ مِن نشاطِها للحقِّ مَعَ عَدَمِ البغي عليها.
وقوله: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ} ؛ يعني: لا يحمِلَنَّكم؛ كما قالَه ابنُ عبَّاسٍ وقتادة (1).
والشنآنُ هو البَغضاء، وهي في الغالب جالبة للعدوانِ؛ كما قال تعالى:{وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا} [المائدة: 2]، وهو ظاهر في تسببه في انتفاءِ العدل، كما في هذه الآية، قال:{عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا} .
وقيل عن آية البابِ: نزلَت في يهودَ لما طلب منهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ الإعانةَ على دِيَةٍ، فهَموا بقتلِه، فأنزَلَ الله الآيةَ هذه فيهم (2)، وفيه جواز الاستعانةِ بأهلِ الذمةِ والعهدِ وبأموالِهم لمصالحِ المُسلِمينَ وحاجتِهم، عندَ نزولِ نازلةٍ فيهم.
(1)"تفسير الطبري"(8/ 44).
(2)
"تفسير الطبري"(8/ 223).