الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقولُه تعالى: {وَفِي الرِّقَابِ} ، المرادُ بالرِّقابِ: الأَرِقَّاءُ؛ فلهم نصيبٌ مِن الزَّكاةِ لإعتاقِهم، سواءٌ كان مُكاتَبًا بَقِيَ عليه شيءٌ كثيرٌ أو قليلٌ، أو كان رَقَبةً لم يُعتَقْ منه شيءٌ؛ فهو داخلٌ في هذه الآيةِ؛ وهذا قولُ أكثَرِ السَّلَفِ والفُقَهاءِ؛ كمالِكٍ وأبي حنيفةَ وأحمدَ والشافعيِّ.
ورُوِيَ عن مالكٍ في روايةٍ: أنَّ المُكاتَبَ يكونَ مِن الغارِمينَ، لا في نصيبِ الرِّقابِ.
والأظهَرُ: عمومُ الآيةِ في الرقيقِ وفي المكاتَب، وقد قال اللهُ في حقِّهم:{وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33].
وقولُه تعالى: {وَالْغَارِمِينَ} ، المرادُ بالغارمِ: هو مَنْ عليه دَيْنٌ؛ كمَنِ اقتَرَضَ لرِزْقِهِ ورِزْقِ عيالِه، ولم يَجِدْ وفاءً، أو احترَقَتْ دارُهُ أو تجارتُه، أو ذهَبَ السَّيْلُ بزَرْعِهِ وماشيتِه، وقد قضى عمرُ بن عبد العزيزِ دَيْنَ القاسِمِ بنِ مُخيمِرةَ وهو تِسْعونَ دينارًا، وقال: أنتَ مِن الغارِمينَ، وأمَرَ له بخادمٍ ومَسْكَنٍ (1).
الفَرْق بينَ دَيْنِ الحيِّ ودَيْنِ الميِّتِ:
ومَنْ عليه دَيْنٌ: إمَّا أن يكونَ حيًّا، وإمَّا أن يكونَ ميتًا؛ فإنْ كان ميتًا، فقد اختلَفَ العلماءُ في إعطائِهِ مِن الزكاةِ على قولَيْنِ:
القولُ الأولُ: قالوا بالمنعِ؛ وهذا قولُ أكثرِ العلماءِ؛ خلافًا للمالكيَّة، على أنه لا تُدفَعُ الزكاة لقَضاءِ دَيْنِه؛ وذلك أنَّ الغارِمَ هو الذي يَستحِقُّ الزكاةَ، وهو مَيِّتٌ، وإذا أُعطِيَتْ غريمَهُ، وهو الدَّائِنُ، صار الدفعُ إلى الغريمِ لا إلى الغارم، وقد قال أحمدُ بن حنبلٍ:"الميِّتُ لا يكونُ غارِمًا، قيل له: أيُعْطى أهلُهُ؟ قال: إنْ كانتْ على أهلِه، فنعَمْ"(2).
(1)"تفسير ابن أبي حاتم"(6/ 1824).
(2)
"المغني" لابن قدامة (4/ 126).
ولم يثبُتْ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه دفَعَ الزكاةَ لدَيْنِ ميِّتٍ، ولا عن خلفائِهِ كذلك، وكان النبيُّ يُؤتَى بالميتِ ويَسأَلُ عن دَيْنِه، ولا يطلُبُ له وفاةُ؛ وإنَّما كان يترُكُ الصلاةَ عليه أوَّلَ الأمر، والمَنافِعُ بقضاءِ دَيْنِ الحيِّ أَولى مِن دفعِهِ عن دَيْنِ الميتِ.
وإفراغُ ذِمَمِ الأمواتِ مِن الحقوقِ يعطِّلُ مَصالِحَ الأحياء، ويُضعِفُ حقَّهم مِن الزكاةِ؛ لِكَثْرةِ الحقوقِ التي يموتُ أصحابُها وهي عليهم.
القولُ الثاني: وهو قولُ المالكيَّةِ؛ أنه تُدفَعُ إليه، ورَجَّحَهُ ابنُ تيميَّةَ.
ولا خلافَ أنَّ دَيْنَ الحيِّ عندَ التزاحُمِ أَولى بالقضاءِ مِن الزكاةِ مِن دَيْنِ الميِّتِ.
وأمَّا إنْ كان حيًّا، فهو مِن أهلِ الزكاةِ بالاتِّفاقِ.
والغارِمُ الذي احتاجَ للمالِ بسبَبِ غُرْمِهِ على نوعَيْنِ:
النوعُ الأولُ: غارِمٌ لحظِّ غيرِه؛ وذلك لأجلِ إصلاحِ ذاتِ البَيْنِ؛ كمَنْ يُصلِحُ بينَ رجُلَيْنِ أو جماعتَين، ويَدفَعُهما عن قتالٍ بالصُّلْحِ بينَهما على مالٍ، فيتَحمَّلُهُ بنفسِهِ لِحَقْنِ الدَّمِ ودفعِ النِّزاع، فهذا يَستحِقُّ الدفعَ له مِن الزكاة، ويَحِلُّ له السؤالُ؛ كما ثبَت في مسلمٍ؛ مِن حديثِ قَبِيصَةَ بنِ مُخارِقٍ الهلاليِّ؛ قال: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ:(أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا)، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: (يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ المَسأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الَمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَو قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَو قَالَ: سِدَادًا مِنْ
عَيْشٍ - فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ المَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا) (1).
النوعُ الثاني: غارِمٌ لحظِّ نفسِه، وهو الذي غَرِمَ مالًا استَدَانَهُ لتجارةٍ أو لِنَفَقةِ عيالِهِ وزَوْجِه، ولم يَجِدْ سِدَادًا؛ فإنَّه يُعطَى مِن الزكاةِ بلا خلافٍ.
والأَولى: ألَّا يُعانَ مَن اعتادَ السَّرَفَ بالاستدانةِ بلا حاجةٍ، ممَّن يأخُذُ أموالَ الناسِ ولا يُبالي؛ حتَّى لا يكونَ ذلك عونًا له على التساهُلِ في ذلك، وقد قال أبو جعفرٍ الباقِرُ محمدُ بن عليِّ بنِ الحُسَيْنِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبِ في الغارِمِ:"هو المُستَدينُ في غيرِ سَرَفٍ"(2).
وبنَحْوِه صحَّ عن مجاهِدٍ (3)، وقتادةَ (4)؛ قالا:"قومٌ ركِبَتْهمُ الدُّيونُ في غيرِ فسادٍ ولا تبذيرٍ".
وقولُه تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} ، المرادُ به: الجهادُ في سبيلِ الله، وهو غَزْوُ الكفَّارِ الأصليِّين والبُغاةِ والطَّوائفِ المُمتنِعة، وكلُّ قتالٍ في سبيلِ اللهِ فهو داخلٌ في هذه الآيةِ؛ وهذا قولُ السلفِ كافَّةً، ويُعطَى الغازي ولو كان غنيًّا في قولِ عامَّةِ السَّلَفِ وأكثرِ الفقهاءِ؛ خلافًا لأهلِ الرَّأْيِ؛ فلم يُجِيزُوا صَرْفَها للغازي إلَّا المُنقطِعَ، وفيه نظَرٌ؛ فالمنقطِعُ هو سهمٌ لابنِ السبيل، لا سهمُ سبيلِ الله، وقد فرَّقَ اللهُ بينَهما.
ورُوِيَ عن بعضِ السَّلَفِ جعلُ الحجِّ والعمرةِ مِن مصارفِ الزَّكاةِ؛ يُروى عن ابنِ عبَّاسٍ، علَّقَهُ البخاريُّ عنه تمريضًا (5)، ونُسِبَ إلى ابنِ عُمرَ:
والمعروفُ عن ابنِ عُمرَ: أنه جعَلَ إنفاقَ الوصيَّةِ المعيَّنةِ في
(1) أخرجه مسلم (1044).
(2)
"تفسير الطبري"(11/ 526).
(3)
"تفسير الطبري"(11/ 527).
(4)
"تفسير الطبري"(11/ 526).
(5)
"صحيح البخاري"(2/ 122).
سبيلِ اللهِ في الحجِّ والجهاد، وليس ذلك في الزكاةِ؛ فقد روى ابنُ عَوْنٍ، عن ابنِ سيرينَ، عنه؛ أنه سُئِلَ عن امرأةٍ أَوْصَتْ بثَلاثينَ دِرْهَمًا في سبيلِ اللهِ: أتُجعَلُ في الحجِّ؟ فقال: أمَا إنَّهُ مِن سُبُلِ اللهِ؛ رواهُ أبو عُبَيْدٍ في "الأموالِ"، وقال:"وليس الناسُ على هذا، ولا أعلَمُ أحدًا أَفتى به؛ أنْ تُصرَفَ الزكاةُ إلى الحجِّ"(1).
ولعلَّ ما رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ مُرادُهُ: النفقةُ المطلَقةُ التي يُرادُ بها أعمالُ البِرِّ عامَّةً، فقولُ المُوصِي:"في سبيلِ اللهِ" يكثُرُ استعمالُهُ في قصدِ أعمالِ البِرِّ عامَّةً، لا أنه قصَدَ مصارفَ الزكاةِ؛ لأنَّ إطلاقَ كلمةِ {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} في سياقِ الزكاةِ يَختلِفُ عن إطلاقِها في سياقٍ غيرِه؛ ويؤيِّدُ ذلك ويُؤكِّدُهُ: أنَّ ابنَ عُمرَ جعَل "في سبيلِ اللهِ" غيرَ الحجِّ مِن أعمالِ البِرِّ؛ كما رواهُ أبو نُعَيْمٍ في "الحِلْيةِ"؛ مِن حديثِ ابنِ مهديٍّ؛ قال: حَدَّثَنا مُسْلِمُ بن عَقِيلٍ، عن أبيه؛ قال:"كنَّا عندَ ابنِ عُمَرَ عندَ المسجِدِ الحرامِ فسأَلَتْهُ امرأةٌ، فقالَت: إنَّ أبا هذا أَوصَى ببَعِيرٍ في سبيلِ الله، فقال ابنُ عمرَ: إنَّ سُبُلَ اللهِ كثيرةٌ؛ مِن سبيلِ اللهِ حَجُّ البيت، ومِن سبيلِ اللهِ صِلةُ الرَّحِم، ومِن سبيلِ اللهِ قومٌ مِن المُسلِمينَ يُقاتِلونَ قومًا مِن المشرِكينَ ليس لهم مَركَبٌ"(2).
وابنُ عمرَ أرادَ المعنى العامَّ في النَّفَقة، لا المعنى الخاصَّ في الزكاة، ولو كان يُرِيدُ الزكاةَ، لكان فيه على هذه الرِّوايةِ غيرُ الحجِّ؛ كصِلَةِ الرَّحِمِ وغيرِها مِن أعمالِ البِرِّ؛ كعِمَارةِ المساجد، وسُقْيا الناسِ ولو مِن غير حاجةٍ، وهذا لا يقولون به.
والزَّكاةُ لا يجوزُ وضعُها في جميعِ الأرحامِ؛ يتَّفِقُ العلماءُ على منعِ
(1) أخرجه أبو عبيد في "الأموال"(1977).
(2)
"حليه الأولياء"(9/ 54).
بعضٍ، ويختلِفونَ في بعضٍ، ويتَّفقونَ في إعطاءِ بعضٍ، وإنَّما أجابَ ابنُ عمرَ السائلَ؛ لأنَّ الوصيَّةَ لم تتمَحَّضْ في قصدِ الغَزْوِ مِن قولِه:{وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} ، ومذهبُهُ في مِثْلِ هذه الحالِ: الأخذُ بالعمومِ؛ لأنَّ المالَ ليس بزكاةٍ، كما ثبَتَ أنَّ أنسَ بنَ سِيرِينَ قال:"قلتُ لعبدِ اللهِ بنِ عُمرَ: إنَّه أُرسِلَ إلَيَّ بدَراهِمَ أَجْعَلُها في سَبِيلِ الله، وإنَّ مِن الحاجِّ مَنْ بَيْنَ مُنقطَعٍ له وبَيْنَ مَن قد ذهَبَتْ نفَقتُهُ، أفأجعَلُها فيهم؟ قال: نَعَم، اجعَلْها فيهم؛ فإنَّه في سبيلِ الله، قال: قلتُ: إنِّي أخافُ أن يكونَ صاحبي إنَّما أرادَ المُجاهِدينَ؟ قال: اجعَلْها فيهم؛ فإنَّهم في سبيلِ الله، قال: قلتُ: إنِّي أخافُ اللهَ أنْ أُخالِفَ ما أُمِرْتُ به، قال: فغَضِبَ، وقال: ويحَكَ! أوَلَيْسَ بسَبِيلِ اللهِ؟ ! "؛ رواهُ البيهقيُّ (1).
ومالكٌ أعلَمُ الناسِ بالمَرْوِيِّ عن ابنِ عُمرَ، وقد قال:"سُبُلُ اللهِ كثيرةٌ"(2)، ولم يكُنْ يَجعَلُ الحجَّ منه.
وقد قال أبو بكرِ بن العربيِّ: "لا أعلَمُ خِلافًا في أنَّ المرادَ بسَبيلِ اللهِ هاهُنا الغزوُ"(3).
وأمَّا المَرْويُّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، فقد رواهُ ابنُ أبي شَيْبةَ وغيرُهُ؛ مِن حديثِ حَسَّانَ، عن مجاهِدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تعالى عنهما - أنه كِان لا يَرَى بأسًا أنْ يُعطِيَ الرَّجُلُ مِن زَكَاتِهِ في الحجّ، وأنْ يُعتِقَ النَّسَمَةَ مِنها (4).
وذِكْرُ البخاريِّ له بصيغةِ التمريضِ يَحتمِلُ أنه لأَجْلِ مَتْنِه، أو إسنادِه، أو كِلَيْهِما؛ وهو الأظهَرُ؛ لأنَّ هذا تفرَّدَ به حسَّانُ بن
(1) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(6/ 274).
(2)
"أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 533).
(3)
السابق نفسه.
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(10424).