الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مِن مَقَاصِدِ الجهادِ: علو المؤمِنِينَ، وإذهابُ غَيْظِ قلوبِهم:
قولُه تعالى: {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} .
في هذه الآيةِ: دليلٌ على اعتبارِ انتصارِ المؤمنينَ لأنفُسِهم وتَشَفِّيهم مِن عَدُوِّهم، وأنَّ ما في قلوبِهم مِن غيظٍ، وما في نفوسِهم مِن ألمٍ: لهم أن يَنتَصِروا له، لكنَّه يكونُ تابعًا لا أصلًا في ابتداءِ قتالٍ؛ لأنَّ القتالَ لمجرَّدِ التَّشفِّي للنفسِ وإذهابِ الغيظِ مِن القلبِ قتالٌ لغيرِ الله، وهو مِن الحَمِيَّةِ الجاهليَّة، ويَستَثنى مِن ذلك انتقامُ وليِّ الدَّمِ مِن القاتل، في تفصيلٍ محلُّه كتبُ القِصَاصِ.
والمرادُ بالآيةِ: أنَّ اللهَ جعَلَ مرَضَ النفوسِ مِن عدوِّ اللهِ وعدوِّها، وغَيْظَ القلوبِ عليه - بابًا جائزًا لاستعمالِ قُوَّةٍ أشَدَّ، وإنزالِ بأسٍ أعظَمَ فيهم، وجوازِ دعوةِ الإمامِ الجندَ والجيشَ للانتصارِ للهِ ودينِه، ثُمَّ لذلك؛ وذلك أنَّ نفوسَ المؤمنينَ لله، فهي تابِعةٌ في حميَّتِها لدِينِه، ولكنَّها لا تَستقِلُّ عنه، وهو يستقلُّ عنها عندَ مُخالفةِ النفوس له، فما كلُّ ما تُريدُهُ النَّفْسُ: حقًّا؛ فقد تَهْوَى الباطِلَ وهي مؤمِنةٌ.
وأصل القتالِ لإعلاءِ كلمةِ اللهِ،، ولكن مَن أدرَكَتْهُ الحميَّةُ مِن عدوِّ اللهِ وعدوِّهِ حينَما يَجرَحُهُ أو يَقتُلُ ولَدَهُ أو والِدَه، فيَشتَدُّ عزمُهُ لقتالِ العدوِّ والإثخانِ فبه، فذلك ليس بمذمومٍ؛ لأنَّه ليس إنشاءً للقتال، بل تقويةً له، فقد جعَلَ اللهُ أصلَ إنشاءِ القتالِ له في قولِه:{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: 193]، وفي الحديثِ:(مَن قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ عز وجل (1).
(1) أخرجه البخاري (123)، ومسلم (1904).
ويدلُّ ذلك على أنَّ المُسلِمينَ إنِ اختَلَفوا في مسألةٍ تَحتَمِلُ قولَيْنِ مُتساويَيْنِ في الشرعِ: أنَّ لهم أن يُرجِّحوا ما تَشْفَى به نفوسُهم، ويَذهَبُ به غيظُ قلوبِهم؛ كاختلافِهم في تعيينِ المصلحةِ مِن قتلِ الأَسْرَى وفي قلوبِ المُسلِمينَ على عدوِّهم غيظٌ؛ فلهم ترجيحُ قتلِهم على فِدَائِهم؛ تحقيقًا لِمَصْلَحةٍ اعتبَرها اللهُ، وهي ذَهَابُ الغيظِ وشِفاءُ النفْسِ.
ولو لم يكُنْ ذلك معتبَرًا في الشريعة، لم يذكُرْهُ اللهُ في الآيةِ ممتنًّا به على المؤمنينَ، ولكنَّه يكونُ في موضِعِهِ تابعًا لا متبوعًا، واللهُ أعلَمُ.
* * *
قال تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ} [التوبة: 17].
لمَّا منَعَ اللهُ المشرِكينَ مِن دخولِ المسجدِ الحرام، لم يَصِحَّ منهم عِمارتُهُ سواءٌ بعبادةٍ أو بتشييدٍ؛ لأنَّهم ليسوا مِن أهلِه؛ فقد منَعَهُمُ اللهُ مِن دخولِ الحرَم، فضلًا عن العبادةِ فيه بحجٍّ وعُمْرةٍ واعتكافٍ وسِقَايةِ حاجِّ.
وقد فُسِّرَتِ العِمَارةُ للمسجدِ الحرامِ بمعَنَيَيْنِ:
المعنى الأوَّلُ: عِمارتُهُ بالعبادةِ؛ مِن صلاةٍ وطوافٍ واعتكافٍ وصَدَقةٍ وغيرِ ذلك.
المعنى الثاني: عمارتُهُ بتشيدِهِ بالبناءِ والفَرْشِ والتنظيفِ والتطييبِ وغيرِ ذلك؛ وهذه عبادةٌ.
ولكنَّ المعنى الأولَ أخَصُّ مِن جهةِ كونِهِ عبادةً محضَةً؛ فإنَّ العمارةَ بالصَّلاةِ والطوافِ لا تُسمَّى عبادةً إلَّا إنْ كانتْ مِن موحِّدٍ، وأمَّا تشييدُهُ وبناؤُه، فقد يصِحُّ أن يقومَ به كافرٌ ويُسمَّى مسجِدًا، كما لو