الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقدارُ الزكاةِ وأنواع الزروع:
وأمَّا مِقدارُ الزكاة، فإنَّ الزروعَ على نوعَيْنِ:
الأوَّلُ: ما سقَتْها السماءُ، أو كان عَثَرِيًّا يَشرَبُ بعُرُوقِهِ مِن ماءِ الأرضِ في باطنِها، أو ممَّا يُزرَعُ على أطرافِ الأنهار، فيَشْرَبُ منها بلا سَقْيٍ مِن آبارٍ أو آلاتٍ؛ فهذا نِصَابُهُ نِصْفُ العُشْرِ.
الثاني: ما سُقِيَ مِن الآبارِ والنَّوَاضِحِ؛ فإنَّ نِصابَ زكاتِهِ رُبُعُ العُشرِ.
وهذا مِن التخفيفِ على الناسِ في مُؤْنَتِهم، فلا يُحَمَّلُونَ ما لا يُطيقونَ، وإذا كانتِ العِلَّةُ كذلك، فما شَقَّ على الناسِ مِن الزروعِ التي تُسقى مِن السماء، فجاءتِ المَشقَّةُ والمَؤُونةُ بغيرِ السَّقْيِ؛ كمشقَّةِ السقيِ ومؤونتِهِ كالذين يَزرَعُونَ زروعًا لا تَنْبُتُ وحدَها، وإنَّما تحتاجُ إلى وضعِ محميَّاتٍ تستُرُها مِن الشمسِ؛ لأنَّها لا تنبُتُ إلَّا في الظلّ، ويُكلِّفُهم ذلك كما لو كُلِّفَ مَن سَقَى بالماء، فإنَّ زكاتَهُ رُبُعُ العُشرِ كما لو سقَى بالآبارِ؛ لجامعِ العِلَّة، وهو مِن التحفيفِ وأقرَبُ إلى المقاصد، وإنْ كانتِ المشقَّةُ أخَفَّ وأيسَرَ مِن ذلك، فتجبُ كما لو سقَتْهُ السماءُ بلا مشقَّةٍ؛ إعمالًا للأدلةِ.
والإطلاقُ في إيجابِ إخراجِ حقِّ الثِّمارِ والزروعِ مقيَّدٌ بالمِقْدارِ الواردِ في السُّنَّة، فلا تجبُ الزكاةُ فيما كان دونَ خمسةِ أَوْسُقٍ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم:(لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاقٍ مِنْ تَمْرٍ وَلَا حَبٍّ صَدَقَةٌ)(1).
وقولُهُ تعالى: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} :
نهَى اللهُ عن السَّرَفِ بعدَ ذِكْرِهِ لحقِّ الزكاة، والسَّرَفُ: ما
(1) أخرجه مسلم (979).
جاوَزَ الإنسانُ به حَدَّهُ المشروعَ، ويقعُ السَّرَفُ على مَعنيَيْنِ:
الأولُ: في المشروعِ والمباحِ؛ فلا يجوز تجاوُزُ الحدِّ به، وهذا كمَنْ يضعُ مالَهُ في مباحٍ لا ينتفِعُ منه هو ولا غيرُهُ، فذلك سرَفٌ ولو كان قليلًا، ومنه مَن يضعُ مَالَهُ في محلٍّ ويتعطَّلُ بسببِ ذلك محلٌّ أَولى منه، كمَنْ يُهدِي الهديَّةَ مِن قُوتِ عيالِهِ الذي لا يجدُونَ غيرَهُ، فهذا جمَعَ بينَ مشروعَيْنِ: الهديَّةِ والنفقةِ؛ ولكنَّ النفقةَ أوجَبُ، فكانتِ الهديَّةُ سرَفًا؛ ولذا قال السُّدِّيُّ في معنى السَّرَفِ هنا:"لا تُعْطُوا أَمْوَالَكُمْ، وَتَقْعُدُوا فُقَرَاءَ"(1).
الثاني: في الممنوعِ؛ فكلُّ مالٍ وُضِعَ في حرامٍ، فهو سَرَفٌ ولو كان ذَرَّةً، وقد قال مجاهدٌ:"لَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أَبِي قُبَيْسٍ ذَهَبًا فِي طَاعَةِ الله، لَمْ يَكُنْ إِسْرَافًا، وَلَوْ أَنْفَقْتَ صَاعًا فِي مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى، كَانَ إِسْرَافًا"(2).
* * *
هذه الآيةُ مِن آخِرِ ما نزَلَ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وهي مِن المُحْكَمات، وذكَرَها ابنُ عبَّاسٍ مِن المقصودِ بقولِهِ تعالى:{مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} [آل عمران: 7](3)، وعن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه؛ قال: "مَن أرادَ أنْ يقرَأَ
(1)"تفسير ابن أبي حاتم"(5/ 1399).
(2)
"تفسير ابن أبي حاتم"(5/ 1399).
(3)
"تفسير الطبري"(5/ 193)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(2/ 592).