الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والصوابُ: أنَّ الإجارةَ مُلزِمةٌ مِن كلِّ مسلمٍ على المُسلِمينَ، وجَعْلُها مَنُوطة بالحاكمِ تضييقٌ لِذِمَّةِ المُسلِمينَ، وتنفيرٌ مِن إقبالِ الكفَّارِ على الإسلام، والأميرُ لا يُحيطُ بِمَعْرِفةِ وسَطِ البُلْدان، فضلًا عن أطرافِها، ولا قُدْرةَ له على معرِفةِ الداخِلينَ إلى الثغور، حتَّى لو وضَعَ نُوَّابًا له على كلِّ ثَغْرٍ، فإنَّ الذِّمَّةَ لو أُنيطَتْ بالأميرِ ونائبِه، لَمَا تحقَّقَتْ ذِمَّةٌ للمُسلِمينَ، ولَسُفِكَتْ دماءٌ حقُّها أن تُعصَمَ، ولَصَدَّ ذلك عن الإقبالِ على الإسلامِ.
أمَان المرأةِ والعبد، والصبيِّ والذمِّيِّ:
وتُجيُر المرأةُ كالرَّجُلِ؛ لظاهرِ الأدلَّةِ؛ ففي "الصحيحَيْن"؛ قالَتْ أمِّ هاني للنبيِّ صلى الله عليه وسلم يومَ فتْح مَكَّةَ: إنَّني أجَرْتُ رجُلَيْنِ مِن أَحْمَائي، فقال صلى الله عليه وسلم:(قَدْ أجَرْنَا مَنْ أجَرْتِ يَا أمَّ هَانِئٍ)(1).
وحكى بعضُ العلماءِ الإجماعَ على ذلك؛ كابنِ المُنذِر (2)، والخطَّابي (3)، وغيرِهما، وقولُ ابنِ الماجِشون في خلافِ ذلك شاذٌّ غيرُ مُعتبَر، وقد صحَّ عن عائشةَ رضي الله عنها؛ أنَّها قالتْ:"إِن كَانَتِ المَرْأةُ لَتُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ"؛ رواهُ النسائي والبيهقيُّ (4).
وفد جاء مِن طرُقِ أنَّ زينب بنتَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم امرأةَ أبي العاصِ أجارَت زَوْجَها أبا العاصِ بنَ الرَّبيع، فأجازَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم جِوَارَها (5).
وأما العبدُ، فقد اختُلِفَ في إجارته، والجمهورُ على صحَّتِها ولو لم
(1) أخرجه البخاري (357)، ومسلم (336).
(2)
"الأوسط" لابن المنذر (6/ 276)، و "الإجماع" له (ص 64).
(3)
"معالم السنن"(2/ 320).
(4)
أخرجه النسائي في "السنن الكبرى"(8630)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(8/ 194).
(5)
ينظر مثلًا: "مصنف عبد الرزاق"(9440) و"المعجم الكبير" للطبراني (1047)، و"المستدرك" للحاكم (4/ 45)، و "السنن الكبرى" للبيهقي (9/ 95).
يُقاتِلْ؛ خلافًا لأبي حنيفةَ وأبي يوسُفَ، ما لم يُؤذَن له بالقتال، والحديثُ في جَرَيانِ الذِّمَّةِ مِن كلِّ مسلمِ: يَشمَلُ العبدَ وغيرَهُ ممَّن يَصِحُّ جَرَبان العَقْدِ منه، ورَوى فُضَيْلُ بن زيدٍ - وكان غَزَا على عهدِ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه سَبْعَ غزَواتٍ - قال: لمَّا رَجَعْنا، تَخَلَّفَ عبدٌ مِن عَبِيدِ المُسلِمينَ، فكتَبَ لهم أمانًا في صَحِيفةٍ، فرَمَاهُ إليهم، قال: فكَتَبْنا إلى عُمرَ بنِ الخطَاب رضي الله عنه، فكتَب عُمَرُ:"إنَّ عبدَ المُسلِمينَ مِن المُسلِمينَ، ذِمَّتُهُ ذِمَّتُهم"، فأجَاز عمرُ رضي الله عنه أمانَهُ؛ رواهُ ابنُ أبي شَيْبةَ والبيهقيُّ (1).
ومَن نظَرَ في كلام فقهاءِ السَّلَفِ صحابةَ وتابِعينَ، وجَدَ أنَّ عمَلَهُمْ على إمضاءِ أَمَانِ المرأةَ والعبد، وقد قال أبو عُبَيْدِ القاسمُ:"قد أجازَ المسلِمونَ أمَانَ المَمْلوكِ"(2).
وقد اختَلَفَ العلماءُ في أمَانِ الصبيِّ المميِّز، فأجازَهُ الأوزاعيُّ في أحَدِ قولَيْه، ومنَعَه أكثَرُ العلماء، وحكاهُ ابنُ المُنذِرِ إجماعًا (3).
ويدخُلُ في عمومِ إمضاءِ أمانِ المُسلِمينَ كلُّ واحدِ منهم، ولو مبتدِعًا، فمَن صَحَّتْ صلاتُهُ صحَّ أمانُه، وقد أجازَ الأوزاعيُّ أمَانَ الخوارجِ (4).
ولا يُقيَل أمانُ الذِّمِّيِّ على المُسلِمينَ؛ لأنَّه ليس منهم، والحديثُ فيهم لا في غيرِهم؛ قال صلى الله عليه وسلم:(ذِمَّةُ المُسْلِمِيِنَ وَاحِدَةٌ)(5)، وقال:(يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَدْنَاهمْ)(6)، ومَنْ ليس منهم، ليس مِن أدْناهُم.
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(33393)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(8/ 194).
(2)
"الأموال" لأبي عبيد (ص 242).
(3)
"الأوسط"(6/ 278)، و"الإجماع"(ص 64).
(4)
أخرجه ابن زنجويه في "الأموال"(727).
(5)
سبق تخريجه.
(6)
أخرجه أحمد (2/ 215)، وابن ماجه (2685).
والأمانُ يكونُ بالقولِ الصريحِ والكِنَاية، ويكونُ بالإشارةِ بالبَدِ؛ كالإشارةِ بالإصبَعِ إلى السَّمَاء، فالإشارةُ بالأمانِ أمانٌ؛ كما قالَهُ مالكٌ والشافعيُّ وغيرُهما.
ويَصِحُّ الأمانُ بكلِّ لِسانِ يَفهَمُهُ السامعُ على أنه أمانٌ؛ فقد صحَّ عن أبي وائلٍ؛ قال: "أَتَانَا كَتَابُ عُمَرَ وَنَحْنُ بِخَانِقِينَ: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: لَا تَدْهَلْ، فَقَدْ أَمَّنَهُ، وَإِذَا قَالَ: لَا تَخَفْ، فَقَدْ أَمَّنَهُ، وَإِذَا قَالَ: مَتَرْسْ، فَقَدْ أَمَّنَه؛ قَالَ: اللهُ يَعْلَمُ الأَلْسِنَةَ"؛ رواهُ عبد الرزَّاق وابنُ أبي شيبةَ والبيهقي (1).
* * *
في هذه الآيةِ: بيانٌ لسبب إنهاء العهدِ الذي بين المُسلِمينَ ومَن له عهدٌ مُطلَقٌ مِن المشرِكينَ، وأنَّ اللهَ أرادَ إنهاءَ ذلك؛ لأنَّه يُبقِيهم على الشِّرْكِ الدائمِ؛ فإنَّ الصُّلْحَ معَ المشرِكِ الوثَنيِّ إذا كان دائمًا. يُبقيهِ على وثَنيَّتِهِ وكفرِهِ دومًا، وَيجعلُهُ عاليًا نِدًّا للمُسلِمينَ، وظاهرُ الآياتِ تحريمُ العهدِ المطلَقِ إلَّا لضرورةٍ في زمَنِ ضَعْفِ المُسلِمينَ وتكالُبِ الأُمَمِ عليهم؛ فإنَّ الزمنَ الذي يكونُ فيه عهدٌ وسلامٌ مطلَقٌ: تتساوَى فيه أمَّةُ
(1) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(9429)، وابن أبو شيبة في "المصنف"(33403)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(9/ 96).
الكفرِ وأمَّة الإسلام، ويَظهَرُ إعجابُ المُسلِمِينَ بالكافِرِينَ، وَيضعُفُ الولاءُ للمؤمنينَ والبَراءُ مِن الكافرينَ، وتَكثُرُ الرِّدَّةُ فضلًا عن الفِسْقِ.
وإنْ جازَ ذلك مِن النبيِّ صلى الله عليه وسلم زمَنَ تكالُبِ الناسِ عليه، وقِلَّةِ عددِ المؤمنينَ وعَتادِهم، فإنَّ اللهَ نسَخَهُ ورفَعَ العهدَ المطلَقَ لمَّا ظهَرَ للمُسلِمينَ قوَّةٌ ولهم سُلْطانٌ يُهابُ وَيَرْعَبُ.
وقد رفَعَ اللهُ العهدَ المطلَقَ عمَّن صالَحَهُ وعاهَدَهُ ولم ينقُضْ عهدَهُ، فضلًا عمَّن عاهَدَ ونقَضَ وظَنَّ بقاءَ عهدِه، وقد عاهَدَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أقوامًا؛ كقُرَيْشٍ وبني بكرٍ وخُزَاعةَ.
وفي قولِه تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} عِظَمُ العهدِ عندَ البيتِ وفي الحَرَمِ؛ فإنَّ العَهْدَ والأَيْمَانَ قد تعظُمُ في زمَنٍ فاضلٍ كبَعْدِ العصرِ ويومِ الجُمُعةِ وكلِّ زمَنٍ دلَّ دليلٌ على فضلِه، وكذلك في المكانِ الفاضلِ؛ كالحَرَمِ والمساجِدِ ومِنبَرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
ومَن عاهَدَهمُ النَّبيُّ عندَ المسجِدِ الحرام، قال ابنُ عبَّاسٍ: هم قريشٌ وأهلُ مَكَّةَ (1)، وبِنَحْوِهِ قال قتادةُ: أهلُ الحُدَيْبِيَةِ (2)؛ فقد كان الصُّلْحُ بينَ الحِلِّ والحرَم، وقال مجاهدٌ: هم خُزَاعةُ (3)، وقال السُّدِّيُّ: هم بنو جَذِيمَةَ (4)، وقال ابن إسحاقَ: بنو بكرٍ (5).
وكلُّ مَنْ له عهدٌ سابقٌ فهو داخِلٌ في هذه الآية، وتخصيصُ المسجدِ الحرامِ؛ لبيانِ خصيصتِه، وتعظيمِ قدرِ العهدِ فيه.
وفي هذه الآيةِ: أنَّ عمومَ الأمكِنةِ في قولِه تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ
(1)"تفسير الطبري"(11/ 351 - 352)، و "تفسير ابن أبي حاتم"(6/ 1757).
(2)
تفسير ابن أبي حاتم" (6/ 1757).
(3)
"تفسير الطبري"(1/ 353).
(4)
"تفسير الطبري"(11/ 350)، و "تفسير ابن أبي حاتم"(6/ 1756).
(5)
"تفسير الطبري"(11/ 351).