الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحدودِ: ألّا يَستبشعَها الناسُ فيَبغُوا في إقامةِ الحدود، ويأخُذوا بالشُّبُهاتِ والظُّنون، فيَعُمَّ الفسادُ فيهم، فأخفَى اللهُ آثارَ منافعِ إقامةِ الحدودِ لأمورٍ؛ من أعظمِها أمرانِ عظيمانِ:
الأولُ: امتحانٌ لإيمانِ المؤمِنينَ، ويقينِهم بأمرِ ربِّ العالَمينَ، وتسليمِهم له؛ كما قال تعالى:{وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50].
الثاني: حتى لا يَبغُوا في إقامةِ الحدودِ لو أدرَكُوا مقدارَ ما تَدفَعُ الحدودُ مِن شرٍّ وفسادٍ؛ لأنَّ الإنسانَ ضعيفُ التقديرِ للأمور، فيعظُمُ الشرُّ بالإسرافِ والبغي فيها، فيُؤخَذُ المُتَّهَمُ بظنٍّ، وتُجعَلُ القرائنُ براهينَ، وتُقامُ الشُّبُهاتُ مُقامَ البيِّناتِ.
وقد كان حدُّ السرقةِ ربَّما أُقِيمَ في الجاهليَّةِ؛ فقد أقامَتْهُ قريشٌ على مَن سرَقَ كَنْزَ الكعبة، وهو رجلٌ يُقالُ له: دُوَيْكٌ الخُزَاعيُّ (1)، ولم يكونوا يُقِيمُونَهُ على كلِّ سارقٍ، ولا في كلِّ مالٍ مسروقٍ.
إقامةُ السلطانِ للحدودِ:
وقولُه تعالى: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} خِطابٌ للسُّلْطانِ لا لغيرِه، فلا يُقِيمُها غيرُه إلا ما كان بتوكيلٍ منه؛ ويَعضُدُ ذلك: أنَّ اللهَ لمَّا جعَلَ الخِطابَ للحُكَّام، قال:{فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} ، ولمَّا كان الخِطابُ بعدَ ذلك للمُذنب، قالَ:{فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ} [المائدة: 39].
اشتراطُ النصابِ والحِرْزِ في حدِّ السرقةِ:
وظاهرُ الآيةِ: إطلاقُ إقامةِ الحدِّ على كلِّ سارقٍ، وفي كلِّ
(1) ينظر: "سيرة ابن هشام"(1/ 193)، و"تفسير ابن كثير"(3/ 107).
مسروقٍ؛ وبهذا أخَذَ بعضُ فُقهاء الظاهرِ؛ فلم يَشترِطُوا نِصابًا ولا حِرزًا، ومع ظاهرِ الآيةِ: يَعْتَضِدُونَ بقولِ ابنِ عبَّاسٍ لنَجْدَةَ الحَنَفِيِّ لمَّا سأَلَهُ عن الحُكْمِ في الآيةِ: عامٌّ أو خاصٌّ؟ فقال: بل عامٌّ (1).
واستدَلُّوا بما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ! يَسْرَقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ)(2).
وهذا الحديثُ حديثٌ عامٌّ، قد جاء ما يُبيِّنُهُ ويُخصِّصُهُ، وقيمةُ الحِبَالِ والبَيْضِ تَختلِفُ وتتبايَنُ عددًا ونوعًا، فإنْ قلَّتْ غلا ثمنُها، وإنْ كثُرثْ رخُصَ ثمنُها، ويَختلفُ ثمنُها مِن نوعٍ إلى نوعٍ، ومِن زمانٍ إلى زمانٍ بحسَبِ حاجةِ الناس، ويُسْرِهم وعُسْرِهم، وفَقْرِهم وغِنَاهُم، وظاهرُهُ: التزهيدُ في وضاعةِ السارِقِ وتفاهةِ قصدِه، وسُوءِ تدبيرِهِ أنْ يُهدَرَ دمُهُ في القليل فيُضيِّعَ عضوًا مِن أعضائِه.
وقد حمَلَ بعضُ الفقهاءِ مِن السلفِ البَيْضةَ والحبلَ في الحديثِ على بيضةِ الحديدِ وحَبْلِ السفينةِ؛ قالهُ الأعمشُ فيما حكاهُ البخاريُّ عنهُ (3).
وفيه نظرٌ؛ فلا تُعرَفُ حبالُ السفينةِ في الحِجَاز، والأعمشُ كُوفيٌّ بعيدٌ عن عُرْفِهم، وحديثُ أبي هريرةَ إمَّا أن يكونَ عامًّا فيُخصَّصُ، وإمَّا معارَضًا فيُنسَخُ، وإمَّا مُجمَلًا فيُبيَّنُ، واللهُ أعلَمُ.
والذي عليه اتِّفاقُ الأئمَّةِ الأربعة، وهو ظاهرُ قولِ عامَّةِ السلفِ: عدمُ إطلاقِ إقامةِ حدِّ السرقةِ على كلِّ سارقٍ وفي كلِّ مسروقٍ، وقد جاء
(1)"تفسير الطبري"(8/ 409).
(2)
أخرجه البخاري (6783)(8/ 159)، ومسلم (1687)(3/ 1314).
(3)
أخرجه البخاري (6783)(8/ 159).