الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: "اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ، وَلَكَ وَلَاؤُهُ، وعَلَينَا نَفَقَتُهُ"(1).
وأمَّا الإشهادُ على اللقيط، فمُخلَفٌ فيه عندَ الفقهاءِ على قولَيْن، هما وجهانِ في مذهبِ الحنابلة، وجمهورُ الفقهاءِ: على وجوبِ الإشهادِ؛ لأنَّه به يُحفَظُ النَّسَبُ والمالُ وسائرُ الحقوقِ.
الغَبْنُ في البَيْعِ وأنواعُهُ:
ومِن قوله تعالى: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} أخَذَ بعضُهُمْ جوازَ شراءِ الشيءِ عظيمِ القيمةِ بثمنٍ بَخْسٍ، وأنَّه بيعٌ لازمٌ؛ وهذا داخلٌ في مسألةِ الغَبْنِ في البيع، وهو بيعُ الشيءِ بأقلَّ مِن قيمتِه؛ وسببُ ذلك: الجهلُ، أو النِّسْيانُ والغَفْلةُ، أو ضَعْفُ الخبرةِ.
وقد جاء في الشريعةِ نهيٌ عن أسبابِ الغَبْنِ:
منها: النهيُ عن تلقِّي الرُّكْبَانِ والجَلَبَ، وعن بيعِ الحاضِرِ للبَادِي، وعن بيعِ النَّجْشِ؛ لأنَّه يَعُرُّ بطلبِ السلعة، فيُخدَعُ الناسُ فيَزيدونَ فيها؛ يَظُنُّونَ أنَّ السلعةَ مرغوبةٌ بما يَسمعونَ مِن زيادةِ قيمتِها.
ومن ذلك: نَهْيُ الشريعةِ عن الغِشِّ والتغريرِ بالوصفِ؛ لأنَّ ذلك يزيدُ في قيمةِ السلعةِ عن حقيقتِها، ليَقَعُ الغَبْنُ.
ومِن ذلك: نهيُ الشريعةِ عن الاحتكارِ ممَّا يَدفعُ الناسَ لاضطرارِ شرائِها بأغلى مِن قيمتِها.
والقاعدةُ: أنه إذا كَثُرَ تحريمُ الوسائل، فإنَّه يدُلُّ على شدَّةِ تحريمِ الغايةِ والمَقصَد، وتعظُمُ المقاصدُ مع شِدَّةِ تحريمِ وسائلِها؛ فقد نهَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن وسائلَ كثيرةٍ تُفضي إلى الغَبْنِ؛ فدَلَّ على أنَّ الغَبْنَ أشدُّ؛ لأنَّ الغايةَ أخطَرُ مِن الوسيلةِ.
(1) أخرجه مالك في "الموطأ"(2/ 738).
والغبنُ يَختلِفُ بحسَبِ مِقْدارِ الضَّرَرِ فيه، ويشتدُّ النهيُ عنه مع شدةِ الضررِ الواردِ فيه.
ولا خلافَ عندَ الفقهاءِ في كراهةِ الغبنِ الفاحشِ الذي يُضِرُّ بمُشترِي السلعةِ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ، وهو مِن جنسِ أكلِ أموالِ الناسِ بالباطلِ.
وقد أجاز مالكٌ بيعَ دُرَّةٍ ذاتِ خطرٍ عظيمٍ بدِرْهَمٍ، ولم يَعلَمِ البائعُ أنَّها دُرَّةٌ؛ أنه يَلزَمُهُ البيعُ، ولم يَلتفِتْ إلى قولِه (1).
والغبنُ في التجارةِ الذي يكونُ عن تَرَاضٍ وعِلْمٍ: ممَّا لا بأسَ به؛ كمَنْ يبيعُ شيئًا قليلَ القيمةِ بثمنٍ عظيمٍ مع عِلْمِ المتبايعَيْنِ بما فيه؛ وذلك أنه يَصِحُّ منه الهديَّةُ بلا قيمةٍ، فشراؤُهُ بثمنٍ زهيدٍ أولى، ولا يتراجعانِ إلَّا برضاهُما، وقد نقَل بعضُهم الاتِّفاقَ على ذلك.
وفي إفالةِ النادمِ على البيعِ أو الشراءِ فضلٌ، ولكنَّه ليس بلازمٍ؛ ففي "المسنَدِ"، و"السنن"؛ قال صلى الله عليه وسلم:(مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا، أَقَالَهُ اللهُ عَثْرَتَهُ)(2).
والغَبْنُ في نفسِه على نوعَيْنِ:
الأوَّلُ: الغَبْنُ اليسيرُ؛ وهو ما اعتادَ الناسُ التبايُنَ في السِّعْرِ فيه؛ لأنَّه يَربحُ بعضهم مِن بعضٍ.
الثاني: الغَبْنُ الفاحِشُ.
وجمهورُ الفقهاءِ يُفرِّقونَ بينَ الغَبْنَيْنِ؛ فيُجيزونَ الأولَ، ولا يُجيزونَ الثاني؛ على خلافٍ عندَهم في حَدِّ الغَبْنِ فيهما جميعًا، فبينَهم خلافٌ:
فمِنهم: مَن جعَل الفارقَ بينَ الغبنِ اليسيرِ والفاحِشِ هو الثُّلُثَ.
ومنهم: مَن قال: العُشْرُ.
(1)"تفسير القرطبي"(11/ 298).
(2)
أخرجه أحمد (2/ 252)، وأبو داود (3460)، وابن ماجه (2199).
ومنهم: مَن قال: نِصْفُ العُشْرِ.
والأظهَرُ: أنَّ مَرَدَّ ذلك إلى عُرْفِ الناسِ في أسواقِهم وما يَعتادونَ عليه مِن مُرابَحةٍ، فالسِّلَعُ تَختلِفُ قِيَمُها وقصدُ الناسِ لها ومَؤونتُها وتسامُحُ الناسُ فيها، ويختلِفُ الناسُ زمنَ اليَسَارِ وزمنَ الفقرِ.
وبعصُ الأسواقِ جرَتِ العادةُ فيها بالترابُحِ في النِّصْفِ والضِّعْف، ومِن السلعِ ما يَظهَرُ الغبنُ فيها ولو بنصفِ العُشْرِ؛ لأنَّها مُسعَّرةٌ، ومِن السلعِ ما يشُقُّ إدراكُ الغَبْنِ فيها؛ وذلك لكونِها نادرةً يَقِلُّ مثيلُها في أيدِي الناسِ؛ كقِطَعِ الآثار، والكُتُبِ المخطوطة، ونُقُوشِ الأُممِ السابقة، والقاضي يَرجِعُ عندَ التنازُعِ في الغَبْنِ في البيعِ إلى عُرْفِ أهلِ السوقِ في ذلك.
* * *
سمَّى اللهُ هذا البلاءَ ليوسُفَ تمكينًا بعدَما بِيعَ واشتراهُ العزيزُ، مع أنه تَبِعَهُ مُغالَبَةٌ على حرامٍ وتُهَمَةٌ وسَجْنٌ وطُولُ بلاءٍ، وفي هذا أنَّ أوَّلَ التمكينِ ابتلاءٌ.
وقولُه: {الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ} لم يذكُرْ أنَّ المُشترِيَ عزيزُ مصرَ، ولا أنَّ المرأةَ زَوْجَتُهُ؛ وذلك لأنَّه في سياقِ البيعِ والشراء، وهذه المواضعُ تَستوِي فيها الأطرافُ؛ فعندَ العقودِ لا فرقَ بينَ حاكمٍ ومحكومٍ، فيجبُ أداءُ الحقوقِ كما لو استوَتِ المقاماتُ؛ وهذا كالخصوماتِ