الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المصاحفَ ويُسرِفُ في تحليتِها، فهو قد أسرَفَ في شيء يظُنُّهُ عبادةً؛ لكونِهِ تخلَّلَها، وليس منها.
وأمَّا إنْ كان الإنفاقُ على عبادةِ يُفَوِّتُ ما هو أوجَبُ منها، فذلك سَرَفٌ لا يجوزُ؛ كمَن يتوسَّع في النفقةِ على باءِ المساجدِ لما يتعطَّلُ به الجهادُ، فذلك سَرَفٌ منهيٌّ عنه؛ ولهذا جعَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم السَّرَفَ يَلحَقُ العبادةَ مِن هذا النوع؛ كما في حديثِ عمرِو بنِ شعَيْبٍ، عن أبيه، عن جدِّه؛ قال صلى الله عليه وسلم:(كُلوا وَاشرَبُوا، وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا، فِي غَيْرِ مَخِيلَةٍ وَلَا سَرَفٍ؛ فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُرَى نِعْمَتُهُ عَلَى عَبْدِهِ)، رواهُ أحمدُ وأصحابُ "السنن"(1).
ومَن أسقَطَ الواجبَ الأَعْلى عليه مِن العبادةِ والنفقة، فله أنْ يُنفِقَ على ما دُونَها مِن العبادةِ والحاجة، وقد صحَّ عن محمدِ بنِ سِيرينَ:"أنَّ تميمًا الداريَّ اشتَرى رِداءً بألفٍ، وكاد يُصلِّي فيه"(2).
حضورُ مجالس السَّرَفِ:
ولا يَصْلُحُ للقُدْوةِ حضورُ مجالسِ السَّرَفِ والتبذير، والأماكنِ التي صُنِعَتْ بالتبذيرِ والسَّرَف، كإقامةِ مجالسِ العِلْمِ في مساجدَ محلَّاةٍ بالزَّخْرفةِ الفاحشة، والمزاداتِ التي تُوضَعُ للمُغالاةِ والمُباهاةِ. والمواضعُ والأماكن التي فيها سَرَفٌ على نوعَيْنِ:
النوعُ الأوَّلُ: أماكنُ جاء السَّرَفُ فيها تَبعًا ولم يأتِ استقلالًا، وذلك كالمساجدِ الموقوفةِ التي دخَلَها السَّرَفُ بزَخرفتِها، فهذه يجوزُ دخولُها والصلاةُ فيها للعامَّةِ دونَ القُدْوة، فدخولُها منه على سبيلِ الاعتراضِ أهوَنُ مِن دخولِها على سبيلِ الدوامِ.
(1) أخرجه أحمد (2/ 182)، والنسائي (2559)، وابن ماجه (3605).
(2)
أخرجه الطبراني في "الكبير"(1248).
النوع الثاني: أماكنُ جاء السَّرَفُ فيها استقلالًا؛ كالمَزَاداتِ والمتَاجِرِ التي تُوضَعُ للمُباهاةِ بينَ أهلِ البَطَرِ والكِبْرِ، وتَبِيعُ ما لا قيمةَ له بقيمةٍ، كألْبِسةِ وبقايَا المشهورِينَ، مِن مَنَادِيلِهم ومَسابِحِهم وأقلامِهم وأوانيهم، ولو كانتْ بلا قيمةِ في الناسِ لو كانتْ لغيرِهم؛ فهذا لا يليقُ بعاقلِ غِشْيانُهُ، فضلًا عن القُدْوةِ الذي يتأسَّى به الناسُ.
* * *
قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 32].
سب نزولِ هذه الآيةِ: هو سببُ نزولِ ما سبَقَها؛ فقد نزَلَتَا جميعًا لبيانِ حُكْمِ واحدٍ؛ والآيةُ السابقةُ كانتْ للأمرِ بالاستتارِ وتغطيةِ العَوْراتِ والتزيُّنِ للعبادةِ؛ وهذه الآيةُ لإبطالِ ما يعتقدونَهُ أنَّ اللِّباسَ محرَّمٌ؛ فقد كانتْ بعضُ قبائلِ العربِ تحرِّمُ على نَفسِها اللِّباسَ في بعضِ طوافِها، فتطوفُ عُرْيانةَ يُصفِّرونَ وَيُصفِّقونَ؛ كما رواهُ ابنُ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ (1).
وصحَّ عن عليٍّ عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّ أهلَ الجاهليَّةِ يُحرِّمُونَ أشياءَ أحَلَّها الله مِن اللِّباسِ كالثِّياب، ومِن الطعامِ؛ كالوَدَكِ وغيرِه؛ فنزَلَتْ هذه الآيةُ (2).
وقولُه تعالى: {أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} : يُرادُ بهم جميعُ الناسِ مؤمنِهم وكافرِهم؛ فالعبوديَّةُ تكونُ طَوْعًا وكَرْهًا، فالكافرُ عبدٌ للهِ ولو كَرِهَ لا يخرُجُ عن تقديرِهِ عليه، والمؤمِنُ عبدٌ للهِ طائعًا وكارهًا، فيَشترِكُ مع الخَلْقِ
(1)"تفسير الطبري"(11/ 164)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(5/ 1466).
(2)
"تفسير الطبري"(10/ 158)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(5/ 1467).
بخضوعِهِ لتقديرِ الله، وَيزِيدُ بخضوعِهِ لأوامرِهِ الشرعيَّةِ؛ وبهذا اختصَّ واستحَقَّ الرِّضا، واللهُ يرزُقُ الكافرَ في الدُّنيا كما يرزُقُ المؤمِنَ؛ لأنَّ هذا مُقتضى ربوبيَّتِه؛ فالخالقُ متكفِّلٌ بالخَلْقِ، والثوابُ على طاعتِهِ والعقابُ على عِصْيانِهِ يكونُ في الآخِرة، وإنْ عجَّلَ اللهُ بعضَهُ في الدُّنيا.
والكفَّارُ يُشارِكونَ المؤمنِينَ في الاستِمتاعِ بالدُّنيا، لكلَّ مُتْعةَ الآخِرةِ خاصَّةٌ للمؤمنينَ، وهو المرادُ بقولِه تعالى:{قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ، فلا تَبِعَةَ عليهم في الآخِرةِ ما الْتزَمُوا حدودَ اللهِ في الدُّنيا، فلا يَلحَقُهم مَأثَمٌ ولا لومٌ، وصحَّ عن ابنِ عبَّاس؛ أنَّهم يُشارِكونَ الكفَّارَ في الدُّنيا في هذه الطيِّبات، ويَخلُصُونَ بها في الآخِرةِ ويُحْرَمُ منها الكفَّارُ (1).
وجاء عن الحسنِ وعِكْرِمةَ نحوُهُ (2).
وقولُه تعالى: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} ، المرادُ به؛ تمييزُ الحلالِ مِن الحرام، وفصلُ كلِّ واحدٍ منهما عن الآخَرِ لما خلَطَتها قريشٌ بتحريم ما أحَلَّ اللهُ.
وفيه إشارةٌ إلى أنَّهم فعَلُوا ذلك جهلًا، فاستحَقُّوا العِلْمَ، وفي الآيةِ لِينُ خِطَابٍ معهم، فيُلَانُ مع الجاهل، بخلافِ المُعانِدِ.
* * *
قال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55].
الدُّعَاءُ بنوعَيْهِ: دعاءِ المسألةِ، ودعاءِ العِبَادةِ: يُصرَفُ للهِ بتضرُّعٍ
(1)"تفسير الطبري"(10/ 159)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(5/ 1468).
(2)
"تفسير الطبري"(10/ 160)، و"تفسير الطبري"(5/ 1468 - 1469).