الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كالخَطَّابيّ، وللشافعيِّ قولٌ ولأحمدَ روايةٌ في خلافِ ذلك نقَلَها المَيْمُونيُّ.
وفي فَهْمِ المنقولِ عن أحمدَ في ذلك نظرٌ؛ فالصريحُ عنه حكايةُ تحريمُ صدقةِ التطوُّع مِن الأموال، وأمَّا عمومُ المعروفِ فجائزٌ ولو جاء في النصِّ تسميتُهُ صَدَقةً؛ كما قال صلى الله عليه وسلم:(كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ)، فيُبذَلُ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم معروفٌ مِن غيرِ الأموال، وهو بابٌ واسعٌ يَحِلُّ له ولآلِ بيتِه؛ مِن هديَّةٍ، وحَمْلِ مَتاعٍ، وقضاءِ حاجةٍ، وسائرِ الخِدْمةِ؛ فهي معروفٌ وصدَقةٌ.
وبعضُ الفُقَهاءِ مِن أصحابِ مالكٍ: يَجْعَلُ تَرْكَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لِصَدَقةِ التطوُّعِ تنزُّهًا، وتَرْكَهُ للزَّكاةِ المفروضةِ تحريمًا.
الهديَّةُ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم وقَرَابَتِهِ:
والهديَّةُ حلالٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم بلا خلافٍ، والهديَّةً له ولقَرَابتِهِ أفضَلُ مِن الصَّدَقةِ عليهم، وإنْ كانتِ الصدقةُ وصَلَتْ إلى غيرِ ذوي القُرْبى ثم أهداها إلى واحدٍ منهم، جازَ؛ لأنَّها تتحوَّلُ بتحوُّلِ اليدِ بها؛ فعن أنسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِلَحْمٍ تُصُدِّقَ بهِ عَلَى بَرِيرَةَ مَوْلَاةِ عائشةَ رضي الله عنها، فقال:(هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَا هَدِيَّةٌ)(1).
ولا خلافَ في جوازِ انتفاعِ ذوي القُربى مِن المالِ والطعامِ المباحِ؛ كالولائمِ والعقيقةِ وطعامِ إكرامِ الضَّيْفِ.
وقولُه: {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} ، منهم مَن جعَلَهم يتامَى قَرَابةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ومساكينَهم؛ كما صحَّ عن المِنْهالِ بنِ عمرٍو؛ قال: سألتُ عندَ اللهِ بنَ محمدِ بنِ عليٍّ، وعليَّ بنَ الحُسَيْن، عن الخُمُسِ؟ فقالا: هو
(1) أخرجه البخاري (1495)، ومسلم (1074).
لنا، ففلتُ لعليِّ! فإنَّ اللَّهَ يقولُ:{وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} ؟ فقالا: يتامَانَا ومَساكينُنَا (1).
القسمُ الثاني: أربعةُ أخماسٍ، وهي للمُقاتِلينَ؛ لأنَّ اللهَ أضافَها إليهم فيَ بيانِ الخُمسِ الأوَّلِ يقوله، {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ} ، فجعَلَ الغنيمةَ لهم مِن جهةِ الأصلِ.
ويظُنُّ بعضُ الفُقَهاءِ مِن المالكيَّةِ وغيرِهم: أنَّ الأربعةَ الأخماسِ مسكوتٌ عنها.
وهذا فيه نظرٌ؛ بل هي مُضافةٌ إلى أهلِها في أوَّلِ الآية، فأُخِذَ منها خُمُسٌ، وبَقيِتِ الأربعةُ الأخماسِ على مِلكِ أهلِها لها؛ فاللهُ أضافَها إليهم قبلَ أن يفصِّلَ فيها؛ وهذا دليلٌ على تملُّكِهم لها.
وتًقسَمُ الغيمةُ على مَن شَهِدَ الغزوَ؛ كما قَسَمَها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم للرَّاجِلِ سهمٌ، وللفارسِ ثلاثةُ أسهُمٍ؛ له واحدٌ ولفَرَسِهِ اثنان، ولم يكنِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُعطِي كلَّ راكربٍ كراكب الحمارِ والبعيرِ ثلاثةَ أسهُمٍ؛ وإنَّما هو خاصٌّ بالفَرَسِ؛ لأنَّ للفرسَ مؤونةً وكُلْفةَ على صاحبِها ليستْ في غيرِها، وأمَّا المَرَاكِبُ العسكريَّةُ إنْ كانتْ للدَّوْلةِ تَرْعاها صيانًة ومؤونةً، فليس لرَاكِبِها سهمُ الفَرَسِ.
ومَن قاتَلَ في الغزو، وقُتِلَ في أرضِ المعركة، فاختُلِفَ في الضَّرْبِ له مِن الغنيمةِ على قولَيْنِ:
ذهَبَ الشافعيُّ: إلى أنه لا يُضَرَبُ له مِن الغنيمةِ.
وذهَبَ الأوزاعيُّ وأبو حنيفةَ: إلى أنه يُضرَبُ له.
(1)"تفسير الطبري"(11/ 199)
والأوَّلُ أظهَرُ؛ قد مات أقوامٌ مِن أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في بَدْرٍ وحُنَيْنٍ وخَيْبَرَ وغيرِها، ولم يَثُبتْ أنه قَسَمَ لواحدٍ منهم.
ولا حرَجَ مِن قِسْمةِ الغنيمةِ في أرضِ الغزو، وقبلَ الوصولِ إلى دارِ الإسلامِ؛ كما فعَل النبيُّ صلى الله عليه وسلم في مواضعَ.
ومَن غَنِمَ سلاحًا واحتاجَ إليه في أرضِ المعركة، فإنَّه يُقاتِلُ به ولا يَنتظرُ قِسْمتَهُ فيتعرَّضَ إلى الهَلَكَة، ويَنتصِرَ العدوُّ.
والأموالُ التي تُغنَمُ على نوعَيْنِ:
النوعُ الأوَّلُ: أموالٌ منقولةٌ يَنتفِعُ منها الفردُ بنفسِهِ؛ كالنَّقدَينِ والأنعامِ والألبِسةِ والأجهزةِ الخاصَّة، وليس انتفاعُها محكومًا بجماعةٍ كالسُّفنِ والمراكبِ الكبيرةِ؛ فهذا النوعُ يُقسَمُ في الغنيمةِ.
النوعُ الثاني: أموالٌ ثابتةٌ غيرُ منقولةٍ، أو منقولةٌ لكنَّ النفعَ فيها لجماعةٍ لا لأفرادٍ؛ كالسُّفُنِ والطائراتِ والمراكبِ الكبيرةِ وآلاتِ المصانع، وأدواتِ الحربِ؛ كالمدافعِ والدبَّاباتِ وقاطراتِ الجندِ ومَرَاكِبِهم، فضَلًا عن المَزارعِ والبساتين، فهذه لم يكنْ يُقَسمُ مِثْلُها في زمنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ولا خلفائِه؛ وإنَّما تكونُ لصالحِ المُسلِمينَ عامَّةً في الغزوِ وغيرِه.
* * *
أرَى اللهُ نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم الكفَّارَ في مَنامِهِ قليلًا؛ فصارَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مع