الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كما قدَرَ الكفارُ عليها، وأمَّا العَدَدُ، فهو الذي لا يَملِكُونَه لو تعذَّرَ فيهم.
ولو قِيلَ بعدمِ اعتبارِ العُدَّة، لَجَازَ للمُسلِمينَ وهم مُسلَّحونَ أنْ يَفِرُّوا إذا كان عدوُّهم أكثَرَ مِن ضِعفَيْهِمْ وهم عُزْلٌ، ولوجَبَ أنْ يَثبُتُوا وهم عُزْلٌ أمامَ عدوَّهم المُسلَّحِ إذا كان مساويًا لهم أو ضِعْفَهُمْ في العَدَدِ.
وإذا ملَكَ المُسلِمونَ جنسَ سلاحِ المشرِكينَ، وجَبَ عليهم الثَّباتُ ولو لم يَتساوَوْا في أثرِه وقوَّتِه، ما كان عددُ المشرِكِينَ لا يَزيدُ على مِثلَيْهم.
وتقديرُ السلاحِ يُرجَعُ فيه إلى أهلِ العلمِ به مِن أهلِ الجهادِ والدَّرايةِ فيه، واللهُ أعلَمُ.
* * *
قال تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68)} [الأنفال: 67 - 68].
نزَلَتْ هذه الآيةُ في بَدْرٍ، والأُسَارَى أُسَارَى بَدْرٍ، والمرادُ بذلك: أنَّ الطمعَ في الأَسْرَى، والمَيْلَ إلى مِلْكِهم: لا يكونُ إلَّا بعدَ إثخانٍ في الأرض، وهو الظُّهُورُ؛ كما قالهُ ابنُ عبَّاسٍ (1)؛ فإنَّ الأُمَّةَ لو مالتْ في زمنِ قِلَّتِها وضَعْفِها إلى الإكثارِ مِن الأَسْرِ والسَّبْي، رَكِنَت إلى دُنْياها، وغفَلَتْ عن عدوِّها؛ لأنَّ في الأُسَارَى طمعًا في مِلْكَهم ونفعِهم وبيعِهم.
الغايةُ الجهادِ والأَسْرِ:
ولم يكنِ الأَسْرُ مَقْصَدًا في ذاتِهِ في الإسلامِ؛ وإنَّما جاء تَبَعًا
(1)"تفسير ابن أبي حاتم"(5/ 1732).
لشريعةِ الجهاد، وشريعةُ الجهادِ لم تكنُ مقصودةً لِذَاتِها؛ وإنَّما جاءَ تَبَعًا لكفرِ الأُممِ وإعراضِها عن عبادةِ اللهِ؛ كما قال تعالى:{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة: 193]، وإذا اختَلَّتْ أولويَّاتُ المَقاصدِ الشرعيَّة، اختَلَّ ثَبَاتُ الأمَّةِ؛ لمُخالَفَتِها لأمرِ ربَّها؛ ولهذا لمَّا أَسَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِن قريشٍ في غزوةِ بَدْرٍ، وكانتْ أوَّلَ غَزَواتِهم الظاهرة، ولم تَعرِفِ الأُمَمُ بَأْسَهم، ولم يكنْ لهم ظهورٌ ورُعْبٌ في نفوسِ عدوِّهم، وشاوَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابَهُ فيهم، وكان أكثرُهم يرَوْنَ الفِداءَ بالمال، فمالَ لذلك النبيُّ صلى الله عليه وسلم: عاتَبَ اللهُ أولئك الذين أشارُوا إلى الفِدْية، وكان عمرُ ممَّن قال بالقتل، وكان أبو بكرٍ ممَّن قال بالفِدَاء، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم قد أدَّى ما عليه مِن الشُّورَى والأخذِ بما عليه عامَّةُ المُسلِمينَ أو أكثرُهم بما لم يكنْ فيه نصٌّ بيِّنٌ، فإنَّ الذين قالوا بالإثخانِ بالقتلِ قِلَّةٌ؛ كعمرَ بنِ الخطَّاب، وسعدِ بنِ مُعاذٍ، وعبدِ اللهِ بنِ رَوَاحَةَ.
وفي "الصحيحِ"؛ قال ابنُ عباسٍ: "لمَّا أَسَرُوا الْأُسَارَى، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ:(مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى؟ )، فَقَالَ أبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ الله، هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةَ، فَتَكُونَ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ؛ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْإِسْلَام، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:(مَا تَرَى يَا بْنَ الْخَطَّابِ؟ )، قُلْتُ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ الله، مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكَّنِّي مِن فُلَانٍ - نَسِيبًا لِعُمَرَ - فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا، فَهَوِيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جِئْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَينِ يَبْكِيَان، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ؟ فَإنْ وَجَدتُّ بُكَاءً بَكَيْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ
أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِه الشَّجَرَةِ) - شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ نَبِيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم نزَلَ اللَّهُ عز وجل {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} إِلَى قَوْلِهِ:{فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} [الأنفال: 69]، فَأحَلَّ اللهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ" (1).
والمرادُ بقوله تعالى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} ؛ يعني: مَتاعَها وما يخرُجُ منها مِن منافعَ فتقدِّمونَهُ على أمرِ اللهِ وما يَتْبَعُهُ مِن نصيبِ الآخِرةِ؛ ولذا قال تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} ، وقد فسَّرَ عرَضَ الدَّنيا بخَرَاجِها: عِكرِمةُ (2) وغيرُهُ، وقال ابنُ إسحاقَ: هو الفِداءُ يأحُذُهُ الرجُلُ (3).
والمرادُ بقولِه تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} : الإثخانُ في العدوِّ بقتلِه؛ حتى يظهَرَ الإسلامُ، وتَعْلُوَ رايتُه، ويَدِينَ الناسُ له، وقال محمدُ بن إسحاقَ في قولِهِ تعالى:{وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} : أي: بقتلِهم لظُهُورِ الذي يُريدونَ إطفاءَهُ الذي به تُدرَكُ الآخِرةُ (4).
وقولُهُ تعالى: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} ؛ يعني بالكتابِ: ما أحَل اللهُ لهم به الغنائمَ مِن قبلُ؛ فاللهُ أَحَلَّ لهم العمومَ ولم يَستَثْنِ، وأمَرَ بنُصْرةِ الدِّينِ وإظهارِهِ والإثخانِ في العدوّ، فاجتمَعَ عمومانِ لدى الصحابة، فقدَّمُوا العمومَ في حِلِّ الغنيمة، فجعَلَ اللهُ ذلك عُذرًا لهم عن نزولِ عقابِهِ عليهم:{لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68)} ، والمرادُ بقولِه:{أَخَذْتُمْ} ؛ يعني: الأسْرَى، وفي هذا أنه إنِ اجتمَعَ نصَّانِ عامَّانِ في نازلة، عُذِرَ المُجتهِدُ عندَ اختيارِهِ واحدًا منهما، ولو بانَ خَطَؤُهُ بعدَ ذلك.
والنفوسُ مهما بلَغَت مِن الكمالِ والفضلِ والعِلْمِ عندَ احتمالِ النصِّ
(1) أخرجه مسلم (1763).
(2)
"تفسير ابن أبي حاتم"(5/ 1733).
(3)
"تفسير الطبري"(1/ 2731)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(5/ 1733).
(4)
"تفسير الطبري"(1/ 2731)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(5/ 1733).
لأمرَين، أو اجتماعِ نصَّيْنِ عامَّيْنِ - قد تَمِيلُ إلى ترجيحِ دليل يُخالِفُ الصوابَ، ولا نَشُعُرُ بمَيْلِها؛ وهذا كان في هذه النازِلةِ مع جمهورِ الصحابة، وكان خطؤُهم مغفورًا، وفضلُهم محفوظًا.
وفي هذه الآيةِ: فضلُ أهلِ بَدْرٍ؛ بأنَّ اللهَ عذَرَهم لأنَّهم أخَذُوا بدليلٍ مِن الكتابِ سابقٍ، ولم يَتَّهِمْهُمُ اللهُ بالهَوَى والعَمْدِ بالمخالَفة، ولو كان الدليلُ السابقُ متمحِّضَ الوضوح، لم يُعاتبْهم اللهُ، وإنَّما كان غالبًا في وضوحِه في نفوسِهم عندَ قولِهم وفيه ميلٌ خفيٌّ للدُّنيا لم يُدرِكُوهُ، فنزَلَ العتابُ لهذا الميل، ودُفِعَ العذابُ بما غلَبَ عليهم مِن أخذٍ بالدليلِ.
وقد فسَّرَ بعضُ السلفِ قولَهُ تعالى: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} ؛ يعني: ممَّا كتَبَهُ لأهلِ بَدْرٍ مِن المغفِرةِ والسعادةِ التي لا يَعْقُبُها عذابٌ وشقاءٌ، وبهذا فسَّرَهُ سعيدُ بن جُبَيْرِ وعطاءٌ والحسنُ ومجاهِدٌ (1).
ومنهم - كابنِ عبَّاسٍ والحسنِ (2) -: مَن حمَلَ الكتابَ على أمِّ الكتاب، وأنَّ الغنائم لم تَحِلَّ قبلَ ذلك، فأخَذُوها قبلَ نزولِ حِلِّها، وفي الكتابِ سبَقَ أنها ستَحِلُّ لهم بعدَ ذلك؛ فلم يُعذِّبْهُمُ اللهُ لأجلِ ذلك.
ومنهم: مَن حمَلَ الكتابَ على أنَّ اللهَ لا يعذَّبُ أحدًا إلَّا بعدَ قيامِ الحُجَّةِ عليه، وأنَّه لا يُعاقِبُهُ حتى يبيِّنَ له ويَقدَّمَ إليه؛ قاله مجاهِدٌ (3).
وفي هذه الآيةِ: أنَّ القوَّةَ المعنويَّةَ والهَيْبةَ في نفوسِ الكفارِ أعظَمُ نفعًا للمُسلِمينَ مِن القوَّةِ الماديَّة، فقد فادَى الصحابةُ كلَّ واحدٍ مِن أسرى بَدْرٍ بأربعةِ آلافِ دِرهم، ومع ذلك فَضَّلَ اللهُ لهم القتلَ والإثخانَ؛ لأنَّ فيه إضعافًا للكافِرِين، وهيبةً وقوةً للمؤمين.
(1)"تفسير الطبري"(11/ 280)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(5/ 1735).
(2)
"تفسير الطبري"(11/ 277)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(5/ 1734).
(3)
"تفسير الطبري"(11/ 281)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(5/ 1735).