الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فليس بسارقٍ؛ وإنَّما هي أمانةٌ اخْتَانَهَا (1).
حِرْزُ كلِّ شيءٍ بحَسَبِهِ:
والحِرْزُ لا وصفَ له جامعًا يشملُ جميعَ أنواعِ المالِ؛ فحِرْزُ الذهبِ غيرُ حِرْزِ الدروعِ والثياب، وحِرْزُ الدروعِ والسلاحِ غيرُ حِرْزِ المراكبِ؛ فكلُّ ما عُدَّ في العُرْفِ جرْرًا للمالِ يَحمِيه، فهو حِرْزٌ صحيحٌ يجبُ توافُرُهُ.
وقولُه تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} : يُؤخَذُ مِن إطلاقِ السارقِ والسرقةِ عمومُ المالِ المسروق، ويدخُلُ فيه الثِّمارُ والحبوبُ والعُرُوضُ وغيرُ ذلك؛ ويدلُّ على هذا ويُؤكِّدُهُ فِعلُ عثمانَ؛ ففيه القطعُ في الثِّمار، وهذا الذي عليه جمهورُ العلماء، خلافًا لأبي حنيفةَ.
صفةُ القطعِ في السرقةِ:
وأمَّا صفة القطع في السرقةِ:
فإنَّه يكونُ لليدِ اليُمْنى عندَ عامَّةِ العلماء، وقد قرَأَ ابنُ مسعودٍ، فقال:"فاقطَعُوا أَيْمانَهُما"(2)، وهي قراءةٌ تفسيريَّةٌ لبيانِ معنى الحُكْم، وهي في التلاوةِ في حُكْمِ الشاذِّ.
وهذا الذي عليه عملُ عامَّةِ السلف، وبه قَضى الخلفاءُ، خلاقًا للخوارجِ الذين يَقضونَ بقطعِ اليدِ مِن الكتفِ.
وإنْ تكرَّرتْ مِن السارقِ السرِقةُ بعدَ قطعِهِ في الأُولى، فقد اختلَفَ العلماءُ في العقوبةِ في الثانيةِ:
وأكثَرُ العلماءِ: على بقائِها حدًّا؛ وهو القطعُ.
(1) أخرجه ابن المنذر في "الأوسط"(12/ 324).
(2)
"تفسير الطبري"(8/ 408).
ومنهم مَنْ قال: بأنَّ القطعَ مرةٌ واحدةٌ، والعقوبةُ بعدَ ذلك تكونُ تعزيرًا؛ وهذا ظاهرُ قولِ عطاءٍ وأبي حنيفةَ.
واختلَفَ قولُ مَن قال بالقطعِ بعدَ الثانيةِ فيما يُقطَعُ بعد السرقةِ الأُولى:
فمنهم مَنْ قال: تُقطَعُ يدُه اليُسْرى؛ وهذا الذي عليه عملُ الخلفاءِ؛ كأبي بكرٍ وعمرَ، ولم يُخالِفْهم أحدٌ مِن الصحابةِ فيما أعلَمُ؛ وبه يقولُ مالكٌ والشافعيُّ وروايةٌ عن أحمدَ.
ومنهم مَن قال: تُقطَعُ الرِّجلُ مِن خِلافٍ، فلا يُقطَعُ إلا يدٌ ورِجلٌ؛ وهو قولُ الزُّهريِّ وحمَّادٍ، وروايةٌ عن أحمدَ، قال الزُّهريُّ:"لَمْ يَبْلُغْنَا فِي السُّنَّةِ إلا قَطْعُ الْيَدِ والرِّجْلِ"(1).
ولا نصَّ في المسألةِ؛ لنُدْرةِ وقوعِها؛ أنْ يَسِرقَ الرَّجُلُ بعدَ قطعِهِ مرةً أو مرَّتَيْنِ وأكثَرَ، ويُرجَعُ في ذلك إلى الاجتهادِ بحسَبِ الحالِ والمصلحةِ مِن تَعْيِينِ موضعِ القطعِ وأشَدِّها ردعًا وزجرًا.
* * *
قال تعالى: {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39)} [المائدة: 39].
بعدَما ذَكَرَ الله حَدَّ السرقة، نَبَّهَ على التوبةِ وأرشَدَ إليها، معرِّضًا بتوبتِه وغُفْرانِهِ ورحمتِهِ بالمُذنِبينَ، وفي هذه الآيةِ مسألتانِ:
الأُولى: تكفيرُ الذنوبِ بإقامةِ الحدودِ على أصحابِها، وقد تقدَّمَ الكلامُ على هذه المسألةِ قبلَ آيةِ السرقةِ.
(1) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(18770)(10/ 187).