الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كونِ المالِ حرامًا، ولا يجوزُ بيعُ الحرِّ؛ ففي البخاريِّ؛ مِن حديثِ أبي هُرَيرةَ؛ قال صلى الله عليه وسلم:(قَالَ اللهُ: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ)(1).
والحرُّ لا يجوزُ بيعُهُ ولو كان عن فقرٍ وحاجةٍ، ومَن باعَ ولَدَهُ، فيجبُ تعزيرُهُ، وبهذا يَقضي عامَّةُ السلفِ؛ كابنِ المسيَّبِ (2)، والزُّهْريِّ (3)؛ ولا مخالفَ لهما.
ولا يُقبَلُ إقرارُ الشخصِ على نفسِه بأنَّه عبدٌ على الصحيح، كمَنْ يُريدُ إمضاءَ بيعِ نفسِه، فالأصلُ حريَّتُهُ، وإقرارُهُ على نفسِهِ باطلٌ؛ فإنَّ الحرَّ لا يكونُ عبدًا بإقرارِهِ؛ وبهذا قال عليُّ بن أبي طالبٍ (4)، وعطاءٌ (5)، ورُوِيَ عن عمرَ أنه يكونُ عبدًا؛ وفي انقِطاعٌ (6).
ويوسُفُ عليه السلام كان مُدرِكًا، على خلافِ في عمرِه، ويَعلَمُ مَن أخَذَهُ حريَّتَهُ، ولكنْ جَرَى حُكْمُهم عليه؛ لصِغَرِه وقلةِ حِيلَتِه، وسُلْطانِهم وسلطانِ عَزِيزِ مصرَ عليه.
حُكْمُ اللَّقِيطِ في الحُرِّيَّةِ والرِّقِّ والكَفَالةِ:
وأمَّا اللَّقِيطُ، فهو الطفلُ المنبوذُ الذي لا يُعرَفُ أصلُهُ حرٌّ أم عبدٌ، على خلافٍ عندَ الفقهاءِ في حدِّ عمرِ مَن يُوصَفُ باللقيط، ولكنَّهم لا
(1) أخرجه البخاري (2227).
(2)
أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(18807).
(3)
أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(18797).
(4)
أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(18806).
(5)
أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(18800).
(6)
أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(18796).
يَختلِفونَ في كونِ الطفلِ المنبوذِ قبلَ تمييزِهِ لَقِيطًا، وأنَّ المنبوذَ بعدَ بلوغِهِ ليس بلقيطٍ؛ وإنَّما خلافُهم فيمَنْ هو بينَ ذلك.
وعامَّةُ السلفِ على أنَّ اللقيطَ حُرٌّ، وقد نقَلَ الإجماعَ على ذلك غيرُ واحدٍ؛ كابنِ المُنذِرِ (1)، ورُوِيَ هذا عن عمرَ وعليٍّ وجماعةٍ مِن السلف، فالأصلُ في اللقيطِ: الحريَّةُ، ولا يُستَرَقُّ إلا ببيِّنةٍ، ورُوِيَ هذا عن عليٍّ والحسنِ:
فقد روى الحسنُ عن عليٍّ رضي الله عنه؛ أنه قَضَى في اللَّقيطِ أنه حرٌّ، وقرَأ هذه الآيةَ:{وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ} .
وقال جُهَيْرُ بن يزيدَ العبديُّ: سمعتُ الحسنَ وسُئِلَ عن اللقيطِ: أيُباعُ؟ فقال: أبي اللهُ ذلك؛ أمَا تَقْرأُ سورةَ يوسُفَ؟
رواهُما البيهقيُّ (2).
ورُوِيَ عن النخَعيِّ: أنَّ اللَّقِيطَ عبدٌ إنْ أخَذَهُ ليَسترِقَّهُ، وإن أخَذَهُ لكفالتِهِ احتسابًا، فهو حرٌّ (3)، وكأنَّه أرجَعَ حريَّةَ اللقيطِ إلى قصدِ المُلتقِطِ ونيَّتِه؛ وهذا القولُ غريبٌ لم يقُلْ به أحدٌ قبلَه فيما أعلَمُ.
وكفالةُ اللقيطِ على بيتِ المال، وكما يجبُ التقاطُهُ فيجبُ كفالتُه؛ لأنَّه لا حِيلةَ له، ولا وليَّ يقومُ بشأنِه، ولو تُرِكَ للناسِ لَتَواكَلُوا في أمرِهِ وجاعَ وتعرَّى وهلَكَ؛ وبهذا قضى عمرُ بن الخطَّاب، فقد روى مالكٌ، عَنْ سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ؛ أَنَّهُ وَجَدَ مَنبُوذًا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب، قَالَ: فَجِئْتُ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب، فَقَالَ:"مَا حَمَلَكَ عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ؟ "، فَقَالَ: وَجَدتُّهَا ضَائِعَةً فَأَخَذْتُهَا، فَقَالَ لَهُ عَرِيفُهُ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ:"أَكَذَلِكَ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ
(1)"الأوسط" لابن المنذر (11/ 427).
(2)
"السنن الكبرى" للبيهقي (6/ 202).
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(21893).