الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تفاوُتُ أحوالِ الفِرارِ يومَ الزحفِ:
وكلَّما كان أثرُ النصرِ والهزيمةِ عظيمًا على المُسلِمينَ، كان الفِرارُ أشدَّ وأعظَمَ إثمًا؛ فإنَّ في الفرارِ والتولِّي يومَ الزحفِ كسرًا لِهَيْبةِ المؤمنِينَ، وإضعافًا لأَتباعِهمٍ، وتسليطًا للأُممِ عليهم، وهذه الآيةُ نزَلتْ يومَ بَدْرٍ؛ لأنَّه يومٌ عظيمٌ، وفرْقانٌ كبيرٌ بينَ الحقِّ والباطل، فجاء التشديدُ فيه أشَدَّ مِن غيرِه، ولمَّا كان يومُ أُحُدٍ خفَّفَ اللهُ في وعيدِه وتهديدِه، وذكَرَ عَفوَهُ وصَفحَهُ؛ كما قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 155]، ولمَّا كان يومُ حُنَيْنٍ، وذكَرَ إدبارَ بعضِ المُسلِمينَ، قال:{إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التوبة: 25]، قال بعدَ ذلك:{ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} [التوبة: 27].
خَصُوصيَّةُ بَدْرٍ وَعِظَمُهَا:
وآيةُ البابِ نزَلتْ في بدرٍ، وقد اختلَفَ السلفُ: هل هي عامَّةٌ لكلِّ غزوةٍ، أو هي لبَدرٍ خاصَّةً؟ على قولَيْنِ:
فمِن المفسِّرينَ مَن قال: إنَّ الوعيدَ في الآيةِ خاصٌّ بالفِرارِ يومَ بدرٍ؛ لأنَّه ليس لهم تركُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وحدَهُ؛ وبهذا قال الحسنُ البصريُّ والضحَّاكُ، ولم يَرَوُا الفِرارَ بعدَ ذلك كبيرةً (1).
ومنهم -وهم الأكثرُ-: على عمومِ الحُكْم، وإنَّما الخاصُّ في بدرٍ أنه لا إمامَ للمؤمنينَ إلَّا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ولا جماعةَ إلَّا جماعتُه، فالفارُّ إلى غيرِهم لا فئةَ له، ومع كثرةِ المؤمنينَ وفئاتِهم بعدَ ذلك وتعدُّدِ
(1)"تفسير الطبري"(11/ 78).
جبهاتِهم وبُلْدانِهم وثُغُورِهم، فالتحيُّزُ أوسَعُ مِن قبلُ وأقرَبُ إلى الرُّخْصةِ فيه، كما رَوَى أبو سعيدِ الخُدْرِيُّ، قال:"إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، لَمْ يَكُن لِلْمُسْلِمِينَ فِئَةٌ إِلَّا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ، فَإنَّ المُسلِمِينَ بَعْضُهُمْ فئَةٌ لِبَعْضٍ"؛ رواهُ ابنُ جريرٍ (1).
والدليلُ على ذلك: كثرةُ الأحاديثِ واستفاضتُها في التحذيرِ مِن الفِرَارِ يومَ الزحف، وجعلِهِ مِن السَّبْعِ المُوبِقات، ويُجزَمُ أنَّ كثيرًا مِن الأحاديثِ تلك -إن لم يكنْ أكثرَها- كانتْ بعدَ بَدْرٍ.
وصحَّ القولُ بالعمومِ عن ابنِ عبَّاسِ وغيرِه (2).
وكانتِ الآيةُ عامَّةَ في تحريمِ كلِّ فِرارٍ مِن كلِّ زحفٍ، ثم خفَّفَ الله على المؤمنِينَ بجوازِ الفِرارِ مِن ضِعْفَي المؤمنِينَ، ويجبُ عليهم الثَّباتُ أمامَ مِثلَيْهِمْ وما دونَه، وبعضُ المفسِّرينَ سمَّى ذلك نسخًا؛ كعطاءٍ؛ فجعَلُوا الناسخَ لها قولَهُ تعالى:{الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الأنفال: 66]؛ رواهُ عن عطاءٍ قيسُ بن سعدٍ؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ (3).
وقد جاء مِن طريقَيْنِ عن ابنِ عبَّاسٍ: "مَن فَرَّ مِن اثنَيْنِ فقد فَرَّ، ومَن فَرَّ مِن ثلاثةٍ فلم يَفِرَّ"(4).
وإنْ كان عددُ المشركينَ أكثَرَ مِن ضِعفَيْهم والمُسلِمونَ قادرونَ على الثباتِ والنصرِ والإثخانِ في العدوّ، كان الثباتُ أَولى؛ ولهذا قال تعالى:
(1) تفسير الطبري" (11/ 77).
(2)
"تفسير الطبري"(11/ 81).
(3)
"تفسير الطبري"(11/ 80).
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(33690)، والطبراني في "المعجم الكبير"(11151).
{إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا} [الأنفال: 65]، وبهذا قال الشافعيُّ: أنَّ الفِرارَ ممَّن فوقَ الضِّعْفِ لا يحرُمُ، والثباتُ مع القدرةِ على النصرِ أَولى.
والتحيُّزُ إلى فئةٍ والتحرُّفُ لقتالٍ يجورُ ولو كان العدوُّ أقَلَّ مِن المؤمنينَ، على ما تقدَّمَ مِن كلامٍ.
وأكئرُ الآياتِ تحُثُّ المؤمنِينَ على الصبر، وعدم تعلُّقِ القلبِ بكثرةِ الكفَّارِ وقلَّةِ المؤمنينَ؛ حتى لا تُهزَمَ نفوسُ أهلِ الحقِّ ويَضْعُفوا عن لقاءِ العدوّ، كما قال تعالى:{كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249].
وقولُهُ تعالى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا} [الأنفال: 65] وقولُهُ: {فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ} [الأنفال: 66].
هذا لتثبيتِ أهلِ الإيمانِ ولتقويةِ عزائِمِهِمْ، فإنَّما يُنصَرونَ بإيمانِهم، لا بمجرَّدِ عَدَدِهم وعَتَادِهم، وكلُّ نصرِ اللهِ لنبيِّه ولأصحابِ نبيِّه كان مع قلَّةِ عَدَدٍ وضَعْفِ عُدَدٍ.
ولو ثبَتَ المؤمنُ في لقاءِ الكافرينَ، وترَكَ الرُّخْصةَ له بالفِرارِ والتحيُّزِ والتحرُّف، ويَغلِبُ على ظنِّه الهلاكُ بلا إثخانٍ فقُتِلَ، فلا خلافَ في أنه شهيدٌ محمودُ العاقبةِ إنْ أخلَصَ، ولم يقُلْ أحدٌ مِن السلفِ ولا يفهَمُ مِن النصوصِ: أنه مُلْقٍ بنفسِهِ إلى التهلُكةِ؛ فإنَّ آياتِ الترخيصِ بالتحيُّزِ والتحرُّفِ والتخفيفِ بالفِرارِ مِن العدوِّ إنْ كان أكثَرَ مِن الضِّعْفِ -جاءتْ للترخيصِ بذلك، لا لتفضيلِه، فضلًا عن إيجابِه.
* * *