الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بعِلْمِهِ لحظِّ نفسِه، ولم يأخُذْ يوسُفُ بعِلْمِهِ المجرَّدِ حتى يُقيمَ عليه بيِّنةً وحِيلَةً.
وقد تقدَّمَ الكلامُ مفصَّلًا على مسألةِ حُكمِ الحاكمِ بعِلْمِهِ عندَ قولِهِ تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105].
* * *
* قال تعالى: {قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77)} [يوسف: 77].
تكلَّمَ إخوةُ يوسُفَ بالسُّوءِ في يوسُفَ مع تقادُمِ العهدِ وبُعْدِه، مع ما فعَلُوهُ به مِن تغييبٍ، وما لَحِقَهُ بعدَ ذلك مِن استعبادٍ ومُراودةٍ على فتنةٍ، ثُمَّ سَجْنِهِ وطُولِ مُكْثِهِ فيه، ومع ذلك كلِّه لم يَنتصِرْ يوسُفُ لنفسِهِ منهم.
انتصارُ الحاكِمِ للَّهِ ولِنَفْسِهِ:
وفي هذا: أنَّه ينبغي لمَن كان عملُهُ للَّه ويقومُ بأمرِ اللَّهِ في الناسِ: أنْ يَغِيب انتصارُهُ لنفسِه؛ لأنَّه إنْ كان الانتصارُ لنفسِهِ في كلِّ ما فاتَ مِن حقِّه، غابَ معه العدلُ، والقائمُ للَّهِ قد باعَ نفسَهُ له، فلا يَليقُ بمَن باعَ نفسَهُ للَّه أن يَنتصِرَ لها؛ فَإِنَّها ليستْ له.
وهكذا ينبغي لأصحابِ الولاياتِ -وخاصَّةً الكُبْرى- أَلَّا يَنتصِرُوا لأنفُسِهم! لأنَّ مَنِ اتَّسَعَ أمرُهُ في الناسِ وسُلْطانُه، نالَ الناسُ منه ووقَعُوا فيه؛ لكثرةِ الجُهَّالِ والظَّلَمَة، وربَّما تكلَّمَ فبه بعضُ الناسِ بحقِّ، فإنِ انتصَرَ لنفِسهِ في كلِّ مَظلِمةٍ مِن فعلٍ وقول، انشغَلَ بالانتِصارِ لنفسِهِ عن الانتصارِ لأمَّتِه، وعاشَ لنفسِهِ ولم يَعِشْ لأُمَّتِه، وقد وقَعَ أقوامٌ مِن الجَهَلةِ
والمُنافِقينَ والظَّلَمةِ في النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهم تحتَ سُلْطانِهِ، فلم يَنتصِرْ لنفسِه، كما وقَعَ فيه جماعةٌ مِن جَهَلةِ الأعرابِ، وذو الخُوَيْصِرَة، وبعضُ المُنَافِقينَ كعبدِ اللَّهِ بنِ أُبَيٍّ وغيرِه.
والوقوعُ في الحاكِمِ وعِرْضِهِ ممَّن تحتَ سُلْطانِه ليس على حالةٍ واحدةٍ، وإنَّما هو على حالَتَيْنِ:
الحالةُ الأُولى: إنْ وقَعَ أحدٌ في شخصِهِ مجرَّدًا، فأساء إليه أمامَهُ أو خلفَهُ، فلا ينبغي أن ينتصِرَ الحاكمُ والسُّلْطانُ لنفسِه؛ وإنَّما يعفو أو يَتغافَلُ! كما كان الأنبياءُ والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يفعل؛ لأنَّ الانتصارَ في مِثْلِ هذه الأشياءِ تتَّسِعُ دائرتُهُ؛ لكثرةِ أشخاصِ الناسِ وانفرادِ الحاكِمِ بشخصِه.
الحالةُ الثانيةُ: أن يكونَ الوقوعُ فيه لا لِذَاتِه؛ وإنَّما لِما يَدْعُو إليه مِن دِينِ اللَّهِ وحُكْمِهِ وبيانِ شرعِه؛ فإنَّ هذا يتحوَّلُ مِن الكلام في نفسِ الحاكمِ إلى الكلامِ في شريعتِهِ ودِينِهِ وعدلِه، وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُفرِّقُ بينَ مَن يقَعُ في ذاتِهِ وبينَ مَن يقعُ في دِينِه، وبينَ مَن يقعُ في ذاتِهِ وبينَ مَن يقعُ في ذاتِه وهو يُريدُ دِينَه، وفي "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ عائشةَ؛ قالت:"وَاللَّهِ، مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ، حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمْ لِلَّهِ"(1).
فإِنْ كان الذي وقَعَ في دِينِهِ وشريعتِهِ وعدلِ اللَّهِ الذي يقومُ به في الناسِ -لم يَجهَرْ بذلك في الناس، ولم يَدْعُ الناسَ إلى قولِه-: فيُترَكُ كما ترَكَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذا الخُويَصِرَةِ وجَهَلةَ الأعرابِ حينَما قالوا ذلك أمامَهُ.
وإن كان وقوعُهُ في دِينِهِ وشريعتِهِ وعدلِ اللَّهِ الذي يقومُ به في الناسِ -علانيَةً وَيَدْعُو الناسَ إلى قولِهِ-: فذاك يَبْغي فتنةً في دِينِ الناسِ وإبعادًا لهم عن دِينِهم؛ ومِن هذا قَتْلُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لبعضِ مَن وقَعَ فيه ويُؤذِيهِ
(1) أخرجه البخاري (6786).
يبغي دِينَهُ وشريعتُهُ وَصَدَّ النَّاسِ عن اتِّباعِه؛ كما فَعَل بكعبِ بنِ الأَشْرَفِ وأَمْثَالِه.
* * *
* قال تعالى: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف: 84].
بكَى يَعْقُوبُ وهو نبِيٌّ على ولدِهِ يوسُفَ، وبكى النبيُّ محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم على ولدِهِ إِبراهيمَ (1)، وبكى عنْدَ مَوْتِ إحدى بناتِهِ أثناءَ دَفْنِها (2)، والحديثانِ في الصحيحِ مِن حَديثِ أَنَسٍ.
وبكى أيضًا صلى الله عليه وسلم عندَ وفاةِ حفيدِهِ ابنِ إِحْدى بنَاتِه؛ كما في "الصحيحَيْنِ" مِن حديثِ أسامةَ بنِ زيدٍ (3).
وقد زارَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم قبرَ أُمِّهِ، فبَكَى وأبكَى مَنْ حولَهُ؛ كما في مسلمٍ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ (4).
وفي هذا: دليلٌ على جوازِ البُكَاءِ على الميِّت، وعدمِ الحرَجِ فيما يَغلِبُ النَّفْسَ مِن الحُزْنِ.
وإنَّما طال حزنُ يعقوبَ ولم يطُلْ حزنُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ يُوسُفَ غائبٌ يُرجَى في الدُّنيا، وإبراهيمَ ميِّتٌ لا يُرجَى فيها.
وأمَّا الأحاديث الواردةُ في أنَّ الميِّتَ يُعذَّبُ ببكاءِ أهلِهِ عليه، منها حديثُ ابنِ عمرَ في "الصحيحَيْنِ"(5)، فذلك محمولٌ على ما كانتْ تفعلُهُ
(1) أخرجه البخاري (1303)، ومسلم (2315).
(2)
أخرجه البخاري (1285).
(3)
أخرجه البخاري (1284)، ومسلم (923).
(4)
أخرجه مسلم (976).
(5)
أخرجه البخاري (1286)، ومسلم (928).
العربُ في الجاهليَّةِ مِن الوصيَّةِ بالبُكَاءِ والحُزِنِ عليه، واللَّطْمِ وَشَقِّ الجيوبِ، واستئجارِ النائحاتِ.
والمقصودُ من بَكَاءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهِ من الأنبياءِ: هو ما تُغلَبُ النَّفْسُ عليه مِن رحمةٍ وشفقةٍ وألمِ الفَقْدِ؛ ولذا قال صلى الله عليه وسلم لمَّا بكَى ابنَ بنْتِهِ وسأَلَهُ سعدُ بنُ عُبادةَ: ما هذا؟ ! قال: (هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّما يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ)(1).
* * *
* قال تعالى: {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93)} [يوسف: 93].
أمَرَ يوسُفُ إخوتَهُ بالرجوعِ إلى أبيه، ووَضْعِ القميص على وجهِهِ والإتيانِ به، وظاهرُ الأمرِ: أنَّ الأصلَ أنْ يذهَبَ يوسُفُ بنفسِهِ إلى أبيهِ؛ لحقِّه عليه ولطُولِ غيابِهِ عنه، ولكنْ لمَّا كان يوسُفُ على وِلَايةٍ عامَّةٍ تَتَّصلُ بأسبابِ بلدٍ كاملٍ بمالِهِ ودماءِ أهلِهِ وأعراضِهِم وأموالِهِم، كان بقاؤُهُ أَولى مِن ذَهَابِه؛ فإنَّ ذَهابَهُ مصلحةٌ خاصَّةٌ تتحقَّقُ بغيرِه، وبقاؤُهُ مصلحةٌ عامَّةٌ لا تقوم غالبًا إلَّا به، ثمَّ إنَّ في ذَهَابِه غيابًا عن الناسِ واحتجابًا عنهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم:(مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ عز وجل شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ، احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ)؛ رواهُ أبو داودَ (2).
وفي هذا: أنَّ حقَّ الرعيَّةِ على الحاكِمِ أَولى من حقِّ والدَيْهِ عليه، وأنَّ احتجابَهُ عن مَصَالحِهم أعظَمُ من احتجابِهِ عن والدَيْه؛ لظاهرِ تقديمِ
(1) أخرجه البخاري (1284)، ومسلم (923).
(2)
أخرجه أبو داود (2948).