الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأمَّا ما يَستدِلُّ به بعصُ الأئمَّةِ على عدمِ وجوبِ تخميسِ الغنيمة، وأنَّها لاجتهادِ الإمامِ: بأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فرَّقَ بنَها وبينَ قِسْمةِ الزكاةِ؛ وذلك بما رواهُ أبو داودَ، عن زيادِ بن الحارثِ الصُّدَائِيِّ رضي الله عنه؛ قال: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَبَايَعْتُهُ، قَالَ: فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَة، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:(إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَات، حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ، فَجَزَّأَهَا ثمَانِيَةَ أجْزَاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاء، أَعْطَيْنُكَ حَقَّكَ)(1).
فهذا الحديثُ ضعيفٌ؛ ففي سندِه عبدُ الرحمنِ بن زِيَادِ بنِ أَنْعُمٍ، عن زيادِ بنِ نُعَيْمٍ، عن زيادٍ الصُّدَائِيّ، وابنُ أَنْعُمٍ ضعيفُ الحفظِ؛ قال أحمدُ: مُنكَرُ الحديث، وضعَّفَ حديثَهُ يحيى القَطَّانُ وأبو حاتمٍ وأبو زُزْعةَ وابنُ مَعِينٍ والنَّسَائيُّ، وضعَّفَ هذا الحديثَ الدارقطنيُّ وغيرُه.
ثم إنَّ هذا الحديثَ في سياقِ الزكاةِ لا في غيرِها، ولا يَلزَمُ مِن ذلك دخولُ كلِّ مالٍ غيرِ الزكاةِ في اجتهادِ الخليفة، ولو كان كذلك، لَدَخَلَتِ المواريثُ، والعَدْلُ في عطيَّةِ الأولادِ والزوجات، وغيرُ ذلك.
وقد تقدَّمَ في سورةِ آلِ عِمرانَ الكلامُ باختصارٍ على أنواعِ الغنيمةِ وما يجوزُ الاننفاعُ به منها بلا إذنٍ عندَ قولِهِ تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 161].
تقسيمُ الغنيمةِ:
وفي هذه الآيةِ: بيان أن الغنيمةَ تُقسَمُ على أخماسٍ، وتقدَّمَ بيانُ موضعِ الأنفالِ منها في أوَّلِ تفسيرِ هذه السورة، وهذه الأخماسُ بيَّنها اللهُ في هذه الآيةِ أنَّها على قسمَيْنِ:
(1) أخرجه أبو داود (1630).
القِسمُ الأوَّلُ: خُمسٌ واحدٌ فصَّلَهُ اللهُ في قوله: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} .
وقد صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ هذا الخُمُسَ يُقسَمُ على أربعةِ أخماسٍ، فقال: كانتِ الغنيمةُ تُقسَمُ على خمسةِ أخماسٍ، فأربعةٌ منها لِمَنْ قاتَلَ عليها، وخُمُسٌ واحدٌ يُقسَمُ على أربعةٍ: فرُبُعٌ للهِ والرسولِ ولذي القُرْبَى؛ يعني: قَرَابةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فما كان للهِ والرسول، نهو لقَرابةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولم يأخُذِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِن الخُمُسِ شيئًا، والرُّبُعُ الثاني لليَتَامى، والرُّبُعُ الثالث للمساكين، والرُّبُعُ الرابعُ لابنِ السبيلِ.
رواهُ عليٌّ عنه؛ أخرَجَه ابنُ جريرٍ، وابنُ أبي حاتمٍ (1).
ومنهم: مَن جعَلَ الخُمُسَ كلَّه لله، يَفعَلُ به نبيُّه ما شاءَ، وفي حُكْمِ نبيِّه إمامُ المُسلِمينَ بالعَدْل، ويكونُ تصرُّفُهُ فيه بالمصلحةِ كما يتصرَّفُ في الفَيْء، وإنَّما ذكَرَ اللهُ الأسماءَ؛ لبيانِ أَولى أهلِ الحقوقِ كرسولِ اللهِ وقَرابتِهِ واليتامى والمساكينِ وابنِ السبيلِ؛ وليس هذا على سبيلِ الحصرِ.
وهدا القولُ الذي تجتمِعُ عليه أقْوالُ أكثرِ السلف، ويُستدَلُّ بما صحَّ عندَ البيهقيّ، عن عبد اللهِ بنِ شَقِيقٍ، عن رجُلٍ مِن بَلْقَيْنِ؛ قال: أتيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ بِوَادِي الْقُرَى، وَهُوَ يَعْرِضُ فَرَسًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَا تَقُولُ فِي الْغَنِيمَةِ؟ قَالَ:(للهِ خُمُسُهَا، وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ لِلْجَيْشِ)، قُلْتُ: فَمَا أَحَدٌ أَوْلَى بِهِ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: (لَا، وَلَا السَّهْمُ نَسْتَخْرِجُهُ مِنْ جَنْبِكَ لَيْسَ أَنْتَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ أَخِيكَ المُسْلِمِ)(2).
وهذا الصحيحُ الذي يُوافِقُ مجموعَ الأدلَّةِ في أنَّ الخُمُسَ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولإمامِ المُسلِمِينَ، يُعْطِيهِ الأحَقَّ فالأَحَقَّ، والأَحْوَجَ
(1)"تفسير الطبري"(11/ 191)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(5/ 1705).
(2)
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(6/ 324).
فالأحوَجَ؛ ويدُلُّ على أنَّ الأمرَ فيه إلى اختيارِهِ صلى الله عليه وسلم واختيارِ نائبِه: ما رواهُ أحمدُ، عن عُبَادهَ؛ قال: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى بِهِمْ فِي غَزْوِهِمْ إِلَى بَعِيرٍ مِنَ المَقْسِم، فَلَمَّا سَلَّمَ، قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَتَنَاوَلَ وَبَرَةً بَيْنَ أُنْمُلَتَيْه، فَقَالَ:(إِنَّ هَذِهِ مِنْ غَنَائِمِكُمْ، وَإِنَّهُ لَيْسَ لِي فِيهَا إِلَّا نَصِيبِي مَعَكُمْ إلَّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ، فَأَدُّوا الْخَيْطَ وَالمِخْيَطَ، وَأَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ وَأَصْغَرَ، وَلَا تَغُلُّوا؛ فَإِنَّ الغُلُولَ نَارٌ وَعَارٌ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)(1).
وهو عندَ أبي داودَ بنحوِهِ؛ مِن حديثِ عمرِو بنِ عَبَسَةَ مُختصرًا (2).
وقولُهُ تعالى: {لِلَّهِ خُمُسَهُ} يتضمَّنُ ما ذكَرُوا لي هذه القِسْمةِ سِتًّا: للهِ ورسولِه وذوي القُرْبى واليتامى والمساكينِ وابنِ السبيل، ولا خلافَ في كلامِ السلفِ: أنه لا يجبُ أن يُقسَمَ الخمُسُ أسداسًا، فيكونَ ستهَ أقسامٍ، وقد ذكَرَ ابنُ جريرٍ أنَّ الخلافَ في تخميسِ الخُمُسِ وتربيعِهِ وتَثليثِهِ وتنصيفِه (3).
وقد اختُلِفَ في المعنى الذي ذُكِرَ لأجْلِه حقُّ اللهِ في الخُمُسِ؛ فقيل: ذُكِرَ اسمُ اللهِ للتبرُّك، وأمَّا الحقوقُ فكلُّها للهِ؛ وهذا رواهُ الضحَّاكُ عن ابنِ عباسٍ (4).
وقيل: انَّ إلقَسْمَ الذي يكونُ لله، هو للكعبة، وأرسَل هذا القولَ أبو العاليةِ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثم قال: قال النبيُّ: لا تَجعَلوا للهِ نصيبًا؛ فإنَّ للهِ الدُّنيا والآخِرةَ (5).
وأنكَرَ ابنُ جريرٍ تقسيمَ أبي العاليةِ الخُمُسَ إلى أسداسٍ (6)، ولا أعلَمُ مَن قال بقولِ أبي الحالةِ مِن السلفِ.
(1) أخرجه أحمد (5/ 316).
(2)
أخرجه أبو داود (2755).
(3)
"تفسير الطبري"(11/ 191).
(4)
"تفسير الطبري"(11/ 188).
(5)
"تفسير الطبري"(11/ 190).
(6)
"تفسير الطبري"(11/ 191).