الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقول اللهِ تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} :
المرادُ به: المسجدُ الحرامُ، ويدخلُ في حُكْمِهِ كلُّ مسجدٍ؛ للاشتراكِ في العِلَّةِ، وقولُه:{عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} ؛ أيْ: موضعٍ تتعبَّدونَ اللهَ فيه، ويكونُ المرادُ به القصدَ؛ كلَّما قصَدتُّمُ المسجدَ، فخُذُوا زينتَكُمْ في كلِّ مرَّةٍ، فجعَلَ الموضعَ الواحدَ في كلِّ مرةٍ مسجدًا، ويُؤيِّدُ هذا قولُهُ تعالى قبل ذلك:{وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 29]؛ أي: عندَ كلِّ مرةٍ تتعبَّدونَ اللهَ فيها للصَّلاةِ والدُّعَاءِ ولو كان الموضعُ واحدًا.
أخذُ زينةِ اللباسِ للعبادةِ ومكانُهَا:
ويدخُلُ في معنى الآيةِ أخذُ الزِّينةِ لغَرَضينِ:
الأوَّلُ: لموضعِ العبادةِ؛ سواءٌ كان لغرضِ العبادةِ أو لغيرِها، وللعبادةِ آكَدُ؛ لاجتماعِ الأمرَيْنِ؛ وذلك أنَّ مواضعَ الجادةِ محتَرَمةٌ معظَّمةٌ، فيُستحَبُّ التزيُّنُ لها وعدمُ دخولِها مع كشفِ عورةٍ أو رائحةٍ نَتْنَةٍ؛ تعظيمًا لها وللملائكةِ وللمُصلِّينَ والمُعتكِفينَ والذاكِرِين.
الثاني: للعبادة، وهي الصلاةُ؛ فيُستحَبُّ أخذُ الزِّينة لها ولو لم يكنْ ذلك في موضع عبادة، وهو المسجِدُ، فالمقصدُ مِن الزِّينةِ العبادةُ؛ لأنَّ دُورَ العبادةِ لم تُتَّخَذْ إلَّا لأجلِ العبادة، وإنَّما عُظِّمَتِ المساجدُ لأجلِ العبادةِ فيها، ولو لم يكن فيها عبادةٌ، لم تكن معظَّمةً؛ فمَنْ أرادَ الصلاةَ، استُحِبَّ له أخذُ الزِّينةِ لها، والاستتارُ ولو كان المصلِّي في بيتِهِ لا يراهُ أحدٌ.
الأصلُ حِلُّ اللباسِ:
وفي الآيةِ: دليلٌ على أنَّ الأصلَ في اللِّباسِ: الحِلُّ، فسمَّى اللهُ
اللِّباسَ بالزِّينةِ ولم يَستَثْنِ منه شيئًا، وإذا ورَدَ النصُّ لإطلاقِ الحِلِّ على عَيْنٍ، دَلَّ على أنَّ الأصلَ فيها الحِلُّ، وأنَّ الاستثناءَ فيها قليلٌ، وقد صرَّحَتِ الآبة بعدَ ذلك بقولِهِ تعالى:{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32].
والزِّينة؛ كلُّ لِباسٍ اجتمَعَ فيه أمرانِ: سَتْرُ البدنِ أو عضوٍ منه، وأنْ يكونَ اللِّباسُ حسَنًا: أمَّا سَترُ البدنِ أو عضوٍ منه: فلا يدخُلُ فيه الزينةُ التي لا تستُرُ، فليسَتْ ملبوسًا لبَدَنِ ولا لعضوٍ منه؛ كالكُحْلِ والخِضَاب ومِكْياجِ المرأةِ وحُلِيِّها، ولا يدخُلُ فيه ما لا يستُرُ البدنَ ولا عضوًا منه؛ كالخاتمِ؛ فهذا غيرُ مقصودِ مِن الزِّينةِ.
ويُسْتَحَبُّ ما ستَرَ البدنَ أو أكثَرَهُ، كالإزَارِ والرِّدَاءِ والقميصِ والثوب، أو عضوًا منه؛ كالعِمَامةِ والنعلَيْن، ورُوِيَ عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنه قال ذاتَ يومٍ؛ (خُذُوا زِينَةَ الصَّلَاةِ)، قيل: وَمَا زِينَةُ الصَّلَاةِ؟ قال: (الْبَسُوا نِعَالَكُمْ، فَصَلُّوا فِيهَا)(1).
وأمَّا حُسْنُ اللِّباسِ: فلا يدخُلُ فيه قبيحُ اللِّباسِ ولو غلا ثمنُهُ، ولا اللِّباسُ الحرامُ؛ كالحريرِ للرَّجُلِ وجلودِ الخِنْزيرِ والكلابِ وما دَلَّ الدليلُ على تحريمِه؛ لأنَّ المحرَّمَ لا يُسمِّيهِ الشارعُ لباسًا بإطلاقٍ إلَّا مع تقيِيدِ تحريمِه، فضلًا عن تسميتِهِ زِينةً.
وأمَّا إزالةُ النجاسةِ والرِّيحِ الخبيثةِ مِن البدنِ والثوب، فذلك ممَّا يدُلُّ عليه مفهومُ الآية، لا منطوقُها؛ لأنَّ لازمَ الزِّينةِ إزالةُ الخبيث، والزِّينةُ تُتَّخَذُ، وخبيث الرائحةِ يُرفَع ويُزالُ، وذلك عكسُ الاتِّخاذِ.
وكذلك استعمالُ الطِّيب، فدليلُهُ خاصٌّ متواتِرٌ.
(1) أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(5/ 83).