الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإنَّما ذكَرَ دعاءَ الولدِ ولم يذكُرْ صَدَقةَ الولدِ مع قَبُولِها منه؛ إشارةً إلى أنَّ الأَولى أنْ يُقدِّمَ لنفسِهِ صدقةً جاريةً؛ فنفوسُ الناسِ حتى الأولادِ مجبولةٌ على الشُّحّ، فيَبخَلُ الولدُ بالنفقةِ على والدِهِ ولو كان يُحِبُّهُ، ولكنَّه لا يَبخَلُ بالدُّعَاءِ؛ لأنَّه لا يَنقُصُهُ شيئًا، فذكَرَ الصدقةَ الجاريةَ وأطلَقَها؛ إشارةً إلى أنَّ الميِّتَ ينبعي أنْ يُقدِّمَ لنفسِه، ولا ينتظِرَ غيرَه.
إهداءُ الثوابِ:
واختُلفَ في أكثرِ الأعمالِ كالذِّكْرِ والصلاةِ وقراءةِ القرآنِ والصومِ: هل يَصِحُّ إهداؤْها أو لا؟ على خلافٍ عندَ العلماءِ:
وقد ذهَبَ أبو حنيفةَ وأحمدُ: إلى جوازِ إهداءِ ثوابِ جميعِ الأعمال، وإلى هذا ذهَب جماعةٌ مِن الشافعيَّة، واستثنى الحنفيَّةُ الصيامَ: فيَرَوْنَ الإطعامَ عن الميِّت، لا الصيامَ عنه.
وذهَب مالكٌ والشافعيُّ: إلى أنه لا يَصِلُ إلى الميِّتِ إلَّا ما دَلَّ عليه الدليلُ؛ وهذا الأشبَهُ والأقرَبُ؛ لأنَّ الصحابةَ يُكثِرُونَ مِن السؤالِ عن بعضِ الأعمالِ ووصولِها إلى الميِّتِ وانتفاعِهِ بها؛ ممَّا يدُلُّ على إدراكِهِمْ أنَّ الأصلَ عدمُ وصولِها، ولو كان الأصل الوصولَ، لجاز عمَلُ الحيِّ للميِّتِ كما يَعمَلُ الحيُّ لنفسِه، وجاء الحثُّ عامًّا لا خاصًّا بصدقةٍ وحجٍّ ونحوِهما.
وقد كان الصحابةُ والتابِعونَ أحرَصَ الناسِ على عملِ البِرِّ لغيرِهم، ولم يَرِدْ عنهم أداءُ الصلواتِ وقراءةُ القرآنِ وإهداءُ الثوابِ لغيرِهم، ومع حبِّ بعضِهم بعضًا وحبِّهم مَن سلَفَ منهم، فلم يَثبُتْ عن واحدٍ منهم ذلك، ومع حِرْصِهم على الاستزادةِ فكانوا يُوصُونَ بأشياءَ كثيرةٍ، ولم يثبُتْ أنَّ واحدًا منهم أَوْصى بالصلاةِ عنه، وقراءةِ القرآنِ عنه، والتسبيحِ والتحميدِ والتهليلِ وإهداءِ ثوابِ ذلك إليه، وقد
كانوا يَزُورُونَ القبورَ ويَستحضِرونَ أهلَها وفَضْلَهُمْ وسَبْقَهم وحاجتَهم وفرَحَهُمْ بالعملِ الصالح، ومع ذلك لم يثبُتْ عن واحدِ منهم أنه صلَّى أو قرَأَ أو سبَّحَ لميِّتٍ منهم.
وقد جاء في الأحاديثِ والآثارِ عنهم: الدعاءُ للميِّت، ولم يَرِدْ إهداءُ ثوابِ الأعمال، مع قيامِ داعِيهِ ومُوجبِهِ وحضورِ الحاجةِ إليه، وكار السلفُ يَذكُرونَ حَسْرةَ أهلِ القبورِ على فَوَاتِ الأعمال، وحاجتَهُمْ إلى ركَعاتٍ وتسبيحاتٍ، ومع ذلك لم يَحمِلْهُمْ وَجْدُهُمْ على مَوْتاهُم على إهداءِ صلاةٍ أو قراءةٍ لهم، ولم يَفْعَلْهُ الأبناءُ بآبائِهم وهم أعظَمُ القرونِ بِرًّا بهم.
أثرُ ذنبِ الوالدْين على الوَلَدِ:
وفي قولِه تعالى: {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا} دليلٌ على أنَّ جَرِيرَةَ الوالدِ لا تنتقِلُ إلى الولد، وأمَّا ما استفاضَ في الآثارِ؛ بأنَّ جزاءَ البِرِّ وعقابَ العقوقِ دَيْنٌ ناجِزٌ في الأولاد، فليس المرادُ أنَّ اللهَ يَجعلُ إثمَ عقوقِ الوالدِ لأبيهِ على ابنِه، بل إنَّ الوَلَدَ لا يأخُذُ جريرةَ العقوقِ حتى يَعُقَّ هو بنفسِهِ أباه، لا بمجرَّدِ عقوقِ أبيهِ لجَدِّه، ولو مات قبلَ ذلك أو كان بارًّا، لم يَلحَقْهُ شيءٌ.
ومِثلُ ذلك: ما جاء في عِفَّةِ الأمِّ وأثرِ ذلك على وَلَدِها؛ كما في قولِهِ تعالى عن عفافِ مريمَ وقولِ قَوْمِها لها: {مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} [مريم: 28]، فليس المرادُ له أنَّ البنتَ تكونُ بَغِيًّا بمجرَّدِ زِنى أُمِّها؛ وإنَّما المرادُ أنَّ الأمَّ تُربِّي بنتَها على مِثْلِ ما هي عليه، وتَرَاها بنتُها وتَصنَعُ مِثْلَها، والعفيفةُ تُربِّي عفيفةً مِثلَها؛ وليس هذا انتقالًا للأوزارِ.
وقد تكونُ المرأةُ بغيًّا وليس لها ابنٌ ولا بنتٌ، وقد يكونُ لها بنتٌ عفيفةٌ، وقد يكونُ في الأمِّ العفيفةِ بنتٌ عَكْسُها؛ فإنَّ الزِّنى لم يكنْ في ذُرِّيَّةِ آدَمَ وحَوَّاءَ الأُولى؛ وإنَّما كان في ذراريَّ جاءتْ بعدَ ذلك بِزَمَنٍ، فلم تُسبَقْ كلُّ زانيةٍ بأمِّ مِثْلِها، فالأصلُ في بني آدَمَ العفافُ.
وأمَّا ما يُروى في الحديثِ: (عِفُّوا تَعِفَّ نِسَاؤُكُمْ)، فرواهُ الحاكمُ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ وجابرٍ (1)، وجاء عندَ الطبرانيِّ بنحوِه من حديثِ ابنِ عمرَ وعائشةَ (2)، وعندَ الخرائطيِّ عن ابنِ عبَّاسٍ (3)، وفي بعضِها زيادةٌ:"بَرُّوا آباءَكُمْ، تَبَرَّكُمْ أَبْنَاؤُكُمْ"، ولا يصحُّ منها شيءٌ.
وقد يكونُ العقوقُ في الأولادِ عقوبةً لعقوقِ الآباءِ لآبائِهم، بأنْ يكونَ في الأولادِ أسبابٌ تُوجِبُ عقوقَهُمْ لآبائِهِمْ قامتْ فيهم كما قامتْ في آبائِهِمْ مع أجدادِهم، وكلٌّ محاسَبٌ مكلَّفٌ؛ الأحفادُ والآباءُ وقد يتوبُ الوالِدُ مِن عقوقِهِ لأبيهِ فلا يَعُقُّهُ ولدُه، وقد لا يكونُ عاقًّا وقد يكونُ عاقًّا ويتوبُ ثم يَعُقُّهُ ولدُهُ! ابتِلاءً مِن الله، لا عقوبةً، وقد وُجِدَ مِن ذريَّةِ البارِّينَ أولادٌ عاقُّونَ، والعكسُ كذلك، وقد لا يكونُ للعاقِّ ذريَّةٌ ولا زوجٌ أصلًا، فلا تُعجَّلُ عقوبتُهُ مِن ولدِه.
وإنَّما ذكَرَ اللهُ أمرًا يقعُ ويكثُرُ، وهو الجزاءُ العاجلُ بمِثْلِ ما وقَعَ منه، وليس ذلك بلازِمٍ لكلِّ أحدٍ؛ ولهذا لم تَثبُتْ بصراحتِهِ النصوصُ، وإنَّما جاء على سبيلِ الإجمالِ تعجيلُ العقوبةِ بقطيعةِ الرَّحِمِ والعقوقِ.
وقد يُعاقِبُ اللهُ الوالِدَ بعقوقِ ولدِهِ له؛ لأنَّ الوالِدَ كان عاقًّا لأبيه، ثم يرزُقُ اللهُ الحفيدَ التوبةَ، فأَجْرَى اللهُ على يدِ الوَلَدِ عقوبةً لوالدِه، ثم
(1) أخرجه الحاكم في "المستدرك"(4/ 154).
(2)
أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط"(1002) و (6295).
(3)
"اعتلال القلوب" للخرائطي (1/ 60).
وفَّقَهُ للتوبةِ فتاب عليه؛ فكانتْ رحمةً بالوالدِ والولدِ؛ وذلك أنْ عَجَّلَ عقوبةَ الوالدِ في الدُّنيا، ووَفَّقَ الولدَ للتوبة، وقَبِلَ منهم، وكلُّهم لَقِيَ اللهَ بلا وِزْرٍ؛ وهذا مِن رحمةِ اللهِ وإحسانِهِ وحكمتِه.