الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المَفْسَدةُ الأُولى: تَرْكُهُمْ للصلاةِ جماعةً وهَجْرُهم للمساجدِ؛ لعدمِ وجودِ أماكنَ لهم فيها، ولا يَجِدونَ بُدًّا مِن سُكْنى بُيوتِهم تلك.
والمَفْسَدة الثانيةُ: تعدُّدُ المساجدِ في الحيِّ والمكانِ المُتقارِبِ.
والمفسدةُ الأُولى أعظَمُ؛ لأنَّ العُذْرَ بتعدُّدِ المساجدِ ظاهرٌ، والفتنةَ في مِثْلِه في الدِّينِ أقَلُّ مِن الفتنةِ مِن وقوعِها في حيٍّ قليلِ العددِ كثيرِ المساجد، وقال صالحُ بن أحمدَ بنِ حنبلٍ لأبيه: كم يُستحَبُّ أن يكونَ بينَ المسجدَيْنِ إذا أرادُوا أن يَبْنُوا إلى جانبِهِ مسجدًا؟ قال: لا يُبنى مسجدٌ يُرادُ له الضَّرَرُ لمسجدٍ إلى جانبِهِ؛ فإنْ كَثُرَ الناسُ حتَّى يَضِيقُ عليهم، فلا بأسَ؛ يُبْنَى وإنْ قَرُبَ ذلك منه (1).
قولُه تعالى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} أخَذَ منه بعضُ الفقهاءِ استحبابَ الصلاةِ في المسجدِ القديم عندَ تعدُّدِ المساجدِ في البلدِ أو الحيِّ؛ فقد ذكَرَ اللهُ عِلَّةَ التفضيلِ للمسجَدِ أنه أُرِيدَ به وجهُ الله، ثم أنه بُنِيَ قديمًا، وهذا يدُلُّ على فَضلِ الأقْدَمِ على الأحدَثِ؛ لأنَّ الغالبَ أنَّ أوَّلَ المساجدِ يُبنى في البلدِ لا يُرادُ منه إلَّا الصلاةُ وعبادةُ الله، بخلافِ المساحدِ اللاحِقةِ له، فقد يقعُ في نفوسِ عامِرِيها المُنافَسة والجاهُ، وربَّما قصدُ الضِّرَارِ والتفريق، فإنَّ أوَّلَ الأعمالِ أَصْدَقُها.
أوْلَى المساجِدِ بالصلاةِ عندَ كَثْرَتِها:
وإذا تعدَّدَتِ المساجدُ في البلدِ أو الحيِّ الواحد، فقد اختُلِفَ في أيِّها أَوْلى بالصلاةِ فيها:
فمِنهم: مَن قال بتفضيلِ الأقدَمِ؛ لظاهِرِ الآية، وقد قال ثابتٌ
(1)"مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح"(1/ 294).
البُنَانيُّ: "كنتُ أُقبِلُ مع أنسِ بنِ مالكٍ مِن الزَّاوَيَة، فإذا مَرَّ بمسجدٍ، قال: أمُحْدَثٌ هذا؟ فإن قلتُ: نَعَمْ، مَضَى، وإنْ قلتُ: عَتِيقٌ، صلَّى"؛ رواهُ أبو نُعيمٍ الفضلٍ بنٍ دُكَيْنٍ في كتابِه الصلاةِ (1).
وبهذا كان يَعملُ غيرُ واحدٍ مِن السلفِ؛ كما رَوَى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن عوفٍ، قال:"قَدِمَ عَامِلٌ لِمُعَاوِيَةَ، وَكَانَ بَعَثَهُ عَلَى الصَّدَقَات، فَنَزَلَ مَنْزِلًا، فَإذَا هُوَ بِمَسْجِدَيْن، قَالَ: أَيُّهُمَا أَقْدَمُ؟ فَأُخْبِرَ بِه، فَأَتَى الَّذِي هُوَ أَقْدَمُهُمَا"(2).
وبه كان يعملُ أبو وائلٍ (3)، ومجاهِدٌ (4)؛ رواهُ عنهما ليثٌ؛ أخرَجَه ابنُ أبي شَيْبةَ.
ومنهم: مَنْ قال بتفضيلِ المسجدِ الأكثرِ جماعةً على المسجدِ الأقدَمِ؛ وذلك لقولِهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أزْكَى مِنْ صَلَاِتهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أزْكَى مِنْ صلَاِتِهِ مَعَ الرَّجُل، وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى)؛ رواهُ أحمد وأصحابُ "السنن"(5).
والأظهَرُ: أنه إنْ كان في البلدِ أو الحيِّ الكبيرِ مساجدُ متعدِّدةٌ: مسجدُ الحيِّ القريبُ الذي يصلِّي فبه جِيرانُ الرجُل، ومسجدٌ قديمٌ، ومسجدٌ أكثَرُ جماعةً، فإنَّ مسجدَ الحيِّ والجِيرانِ أَولى بالتقديمِ؛ لأنَّه يتحقَّقُ مَقاصِدُ عظيمةٌ غيرُ مَقاصِدِ الجماعةِ؛ كالإحسانِ إلى أهلِ الحيِّ وتعاهُدِهم، وقضاءِ حاجتِهم، وصِلَتِهم، وإجابةِ دَعْوتِهم؛ فهذا عملٌ عظيمٌ
(1)"فتح الباري" لابن رجب (1/ 583)، وأخرجه بنحوه ابن أبي شيبة في "المصنف"(6245).
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(6243).
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(6244).
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(6246).
(5)
أخرجه أحمد (5/ 140)، وأبو داود (554)، والنسائي (843).
قصَدَتْهُ الشريعةُ بالتفضيلِ بِذَاتِه، وإذا قصَدَ الرجُلُ مسجدًا قديمًا لا يُصلِّي فيه أهلُ حيِّه وجيرانُه، فاتَهُ ذلك الفضلُ.
وأمَّا عملُ أنس بنِ مالكٍ، فكان مارًّا ببلدٍ ليس بلدَهُ، وفي حيٍّ ليس حيَّه، وهذا حُكْمٌ خاصٌّ لمَن كان كحالِه، وانتفَتْ عنه تلك المَقاصِدُ، فمَنْ كان حالُه كحالِ أنسٍ، فحُكمُهُ كحُكمِه، وقد رَوَى منصورٌ، عن الحسَنِ:"أنه سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَدَعُ مَسْجِدَ قَوْمِهِ وَيَأْتِي غَيْرَهُ، قالَ: فَقَالَ الحَسَنُ: كَانُوا يُحِبُّونَ أَنْ يُكَثرَ الرَّجُلُ قَوْمَهُ بِنَفْسِهِ"(1).
وإذا تقارَبَ في الحيِّ مسجدانِ عن يمينٍ وشمالٍ، فالأفضلُ الصلاةُ في الأقدَمِ منهما؛ لاستواءِ المَقاصِدِ فيهما وتميُّزِ أحدِهما بفضلٍ.
وإذا تقارَبَ في الحيِّ مسجدانِ: قديمٌ قليلٌ الجماعة، وحديثٌ كثيرُ الجماعة، وكلاهُما يتساويانِ في بقيَّةِ المَقاصِد، فمذهبُ الحنابلةِ: أنَّ القديمَ أَوْلى، والأَظْهَرُ: أنَّ المُصلِّيَ يَقصِدُ الأخشَعَ لقَلْبِهِ؛ لأنَّ الصلاةَ في مسجدٍ حديثٍ مع خشوعٍ أَوْلى مِن الصلاةِ في مسجدٍ قديمٍ يُساوِيهِ في القُرْبِ بلا خشوعٍ؛ لأنَّ الخشوعَ قلبُ الصلاةِ ولُبُّها.
ولا يجوزُ لأحدٍ أنْ يترُكَ جماعةَ المُسلِمينَ ويُفارِقَ المساجدَ بحُجَّةِ الخشوعِ في صلاتِه منفرِدًا، ولو كان ذلك صحيحًا، فيجبُ عليه شهودُ الجماعةِ مع اجتهادِ في الخشوع، ولو فاتَهُ الخشوعُ وتعذُّرَ عليه، فهو مأجورٌ بشهودِ الجماعة، غيرُ آثمٍ بفَوَاتِ خشوعٍ لا يَستطيعُه، ولا يكلِّفُ اللهُ نفسًا إلَّا وُسْعَها.
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(6248).
* قال تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: 113].
في هذه الآيةِ: تحريمُ الاستغفارِ لمَنْ مات على الشِّرْك، ممَّن ظهَرَ أمرُهُ وتَجَلَّتْ حالُه، لقولهِ:{مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} .
ومَن فارَقَ أحدًا وتباعَدَ عهدُهُ به، ولا يَدرِي آخِرَ حالِهِ: هل هي على كفرٍ أو على إيمانٍ؟ فالحُكمُ لأصلِهِ الذي ترَكَهُ عليه؛ فإنْ كان ترَكَهُ على كفرٍ، فالأصلُ بقاؤُهُ عليه؛ فيَحْرُمُ عليه الاستغفارُ له، وإن كان ترَكَه على إسلامٍ وشك في طُرُوءِ الكفرِ عليه، فالأصلُ بقاؤهُ على الإيمانِ؛ فيجوزُ له الاستغفارُ له.
وتحريمُ الاستغفارِ له بعدَ موتِه لا يَمنَعُ مِن الدُّعَاءِ له حالَ حياتِهِ بالهدايةِ والرَّشادِ والاستقامةِ؛ فإنَّ ذلك مستحَبٌّ لِمَنْ كان كافرًا يَغلِبُ عليه الجهلُ؛ ففي "الصحيحَيْنِ"، عن عبد اللهِ بنِ مسعودٍ؛ قال: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَحْكِي نبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاء، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِه، وَيَقُولُ:(اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)(1).
ومَن غلَبَ عليه العِنادُ والتكبُّرُ والطُّغْيانُ، فيُغلَّبُ الدُّعَاءُ عليه على الدُّعَاءِ له في حياتِه؛ كما كان يَفْعَلُ الأنبياءُ مع أمثالِ هؤلاءِ؛ كنُوحٍ مع قومِه، والنبيِّ صلى الله عليه وسلم مع قريشٍ وغيرِهم مِن مُشْرِكِي العربِ لمَّا دعا عليهم في قُنُوتِه، ودعا على كِسْرَى لمَّا مَزَّقَ كتابَهُ بأنْ يُمزِّقَ اللهُ مُلْكَه (2).
(1) أخرجه البخاري (3477)، ومسلم (1792).
(2)
أخرجه البخاري (64).
* قال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122].
في الآيةِ: فضلُ العِلْم، ووجوبُ حِفظِهِ وتفريغ طائفةٍ له تقومُ بتحصيلِهِ ومِن ثم تبليغِه، لقولِه:{لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ} .
ويجبُ على إمامِ المسلِمينَ عدمُ إخلاءِ بُلْدانِ الإسلامِ مِن علماءَ يقومونَ بحِفْظِ دِينِ أهلِها وفُتْيَاهُم عندَ حاجتِهم، والإصلاحِ بينَهم عندَ خلافِهم ونِزاعِهم، وأمرِهم بالمعروفِ ونهيهِم عن المُنكَر، ويجبُ عليه بعثُ النُّذُرِ والدُّعَاةِ والعلماءِ إلى البُلْدانِ؛ لإقامةِ حُجَّةِ اللهِ عليهم، وقال بعضُ السلفِ: إن هذه الآيةَ ناسخةٌ لقولِهِ تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} [التوبة: 41]؛ كما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ ومحمدِ بنِ كعبٍ وعطاءٍ الخُراسانيُّ (1).
ويجبُ على الإنسانِ ألَّا يَسكُنَ بلدًا لا يَجِدُ فبها عالمًا يَرفَعُ جَهْلَهُ في الدِّين، والناسُ يَحْرِصُونَ على البُلْدانِ التي تَصِحُّ فيها أبدانُهم ويَجِدُونَ فيها دواءَهم عندَ مَرَضِهم، ولا يَسْكُنونَ الأراضيَ المُقْفِرةَ والفَيَافِيَ البعيدةَ التي لا يَجِدُونَ فبها قِوامًا لبَدَنٍ ولا علاجًا لسَقَمٍ، فكذلك أمرُ الدِّينِ والعِلْم، وقد رَوَى ابنُ أبي حاتمٍ في "مناقبِ الشَّافعيِّ"؛ أنه قال:"لا تَسكُنْ بلدًا ليس فيه عالِمٌ يُفْتيكَ عن دِينِك، ولا طبيبٌ يُنْبِئُكَ عن أمرِ بَدَنِك"(2).
وفي الآيةِ: دليلٌ على أنَّ داخِلَ الأُمَّةِ يُحمَى بالعِلْم، وخارجَها يُحمَى بالجهاد، وأن العلماءَ حُمَاةُ الأمَّةِ مِن داخِلِها، وأنَّ المُجاهِدينَ حُمَاةٌ
(1)"تفسير ابن كثير"(4/ 157).
(2)
"آداب الشافعي ومناقبه"(ص 244).