الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكتاب، وتبعًا لذلك اختَلَفُوا في بقيَّةِ المنسوبينَ إلى كتابٍ؛ كالسَّامِرةِ وأَتْباعِ صُحُفِ إبراهيمَ والزَّبُورِ وغيرِهم.
الثاني: ذهَب أبو حنيفةَ وابنُ وهبٍ: إلى أنه يدخُلُ مع أهلِ الكتابِ جميعُ كفَّارِ العجَمِ على اختلافِ عَقائدِهم، ولو كانوا وثَنيِّينَ أو زَنادِقةً ومَلاحِدةً، وأمَّا مُشرِكو العرَب، فلا يُقبَلُ منهم إلَّا الإسلامُ أو السَّيْفُ.
الثالثُ؟ ذهَبَ الأوزاعيُّ ومالكٌ وأحمدُ: إلى أنَّ الجزيةَ تُقبَلُ مِن كلِّ كافرٍ؛ عربيٍّ أوأعجميًّ، كتابيُّ أو وثنيُّ، وقد أخَذُوا بعمومِ حديثِ بُرَيْدةَ السابقِ؛ فلم يُخصِّصْ أصحابَ مِلَّةٍ عن الأُخرى، وإنَّما جَعَلَ الأمرَ على كلِّ مَن يَلْقاهُ مِن عدوِّه.
وهذا الأظهَرُ، وتأخُّرُ نزولِ الآيةِ كان لاستئصالِ المشرِكِينَ إاخراجِهم مِن جزيرةِ العرَب، فمِثْلُهم لا يُقَرُّ فيها بحالٍ إلَّا للضَّرورة، وإقرارُ الكتاببِّينَ أخَفُّ مِن إقرارِهم.
المَجُوسُ والصابئةُ:
والحديثُ الواردُ في مُشابَهةِ المجوسِ لليهودِ والنَّصَارى إنَّما هي في الجِزْيةِ خاصَّة، ولا تَحِلُّ ذَبائحُهم ولا نكاحُ نسائِهم، وما كانتِ العربُ تَعْرِفُهُمْ بأنَّهم أهلُ كتابٍ؛ وذلك أنَّ اللهَ قال عن كفَّارِ قريشِ {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ} [الأنعام: 155، 156] يَعْنُونَ: اليهودَ والنَّصَارى؛ كما صَحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ وقتادةَ (1)؛ أي: يُخافُ أنْ تقولَ قريشٌ ذلك، فيَرَوْنَ أنَّ كُتُبَ اليهودِ والنصارى ليسَتْ على لُغَتِهم، ولا هم مِن قَوْمِهم، فقطَعَ اللهُ بإنزالِهِ القرآنَ بلسانٍ عربيٍّ
(1)"تفسر الطبري"(7/ 10)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(5/ 1425).
حُجَّتَهم، فقُرَيْشٌ كانوا يَنتَقِدُونَ أهلَ الكتابِ بعدَمِ عَمَلِهِمْ بالكتاب، وأنَّ قريشًا لو نزَلَ عليهم كتابٌ بلِسَانِهم، لآمَنُوا به، ولو بَيَّنَ لهم أخطاءَهم، لَترَكُوها وكانوا خيرًا منهم بالاتِّباعِ؛ وذلك في قولِهِ:{أَو تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} [الأنعام: 157]، فذكَرَ اللهُ للطائفتَيْنِ دليلًا على أنه ليس حولَ العربِ أهلُ كتاب غيرهم، مع أن المجوسَ مَعرُوفُونَ، ولم يكونوا عندَهم أهلَ كتابٍ، فلو كانوا كذلك، لكانَتِ الطوائفُ ثلاثًا.
وكذلك: فإنَّ اللهَ تعالى لمَّا ذكَرَ الذين يَنْجُونَ يومَ القيامةِ مِن أهلِ المِلَلِ الذين ماتوا على استقامةِ دِينِهم، لم يذكُرِ المجوسَ مع أهلِ الكتاب، فقال في سورةِ البقرةِ:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)} [البقرة: 62]، ومِثلُها في سورةِ المائدة، إلَّا أنه قدَّمَ الصابِئِينَ على النصارى؟ {وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى} [المائدة: 69]، ثم قال:{فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [المائدة: 69]، ، وذكَر أنَّ هؤلاء قد يصدُرُ منهم عملٌ صالحٌ قبلَ العِلْمِ بالإسلام، وليس المجوسُ منهم، ولكن اللهَ لمَّا ذكَرَ الفصلَ يومَ القيامةِ بينَ الأُممِ ولم يذكُرِ النَّجَاةَ وعدَمَ الخوف، ذكَرَ المجوسَ معهم؛ كما في الحَجّ:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17)} [الحج: 17].
وفي أحسَنِ أحوالِ المجوسِ: فهذا يدُلُّ على أن الصابِئِينَ أحسَنُ منهم، وأقرَتُ للكتابِ المنزَّلِ مِن المجوس، والصابئةُ اليومَ موجودونَ في العِرَاقِ وَيعتقِدونَ بنُبُوَّةِ آدمَ وشِيثَ وسامِ بنِ نوح وإبراهِيمَ ويحيى، والنَّصَارَى يُسَمُّونَهم يُوحَنَّاسِيَّةً؛ (نسبةً إلى يوحنَّا، وهو يحيى)، وهم
طوائفُ وفِرَقٌ، وبعضُهُمْ بدَّل فأشرَكَ، وبعضهُمْ لم يُبدِّلْ وبَقِيَ على توحيدِه، وقد قال وهبُ بن مُنبِّهٍ - وهو مِن أهلِ العِلمِ بالمِلَلِ السابقةِ وأخبارِهم - لمَّا سُئِلَ عن الصابئةِ:"الذي يَعرِفُ اللهَ وحدَهُ، وليسَتْ له شريعةٌ يَعمَلُ بها، ولم يُحْدِث كُفْرًا"(1).
وذكَرَ غيرُ واحدٍ مِن السلفِ: أنَّهم أهلُ كتابٍ، كالسُّديِّ (2)، وبه قال إسحاقُ وابنُ المُنذِرِ (3)، وكثيرٌ مِنهم يَعتقِدونَ بإلهٍ واحدٍ، لا آلةٍ، وذكَرَ ابنُ زيدٍ أنَّهم يقولونَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ (4).
وكلُّ فِرْقةٍ منهم لها حُكْمُها؛ فمَن لم يُبدِّلْ، أُلحِقَ بأهلِ الكتاب، ومَن بدَّل، ألحِقَ بالوثَنيِّينَ المشرِكينَ.
ومَن تأمَّلَ المنقولَ عن كتبِ الصابئةِ؛ ك (الكنزاربا) و (أدراشا أديهيا)، ونَظَرَ في عقائدِ المجوسِ وأقوالِهم، وجَدَ أنَّ الصابئِينَ أقرَبُ منهم، ولكنَّهم ليسوا في جزيرةِ العربِ حتى يُعرَفَ أمرُهُمْ وَيشتهِرَ ذِكرُهُمْ عندَ قريشٍ وأمثالِها، وهم اليومَ عددٌ قليل في العراقِ وبعضِ الشام، وإلحاقُ هذا النوعِ مِن الصابئين بأحكامِ الجزيةِ عندَ مَن يقولُ بحَصْرِها في أهلِ الكتابِ أولى مِن المَجُوس، فضلًا عن المَلَاحِدةِ والمُشرِكينَ.
وسببُ خلافِ العلماءِ في عمومِ الجِزْيةِ وخصوصِها في الكفَّارِ هو تأخُّرُ نُزولِها، وذِكْرُ اللهِ لأهلِ الكتابِ في الآيةِ في قولِه {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} ، وقد نزَلَتِ الآيةُ بعدَ ذَهَابِ شَوْكةِ المشرِكينَ في جزيرةِ العرَبِ وأطرافِها، وأهلُ الكتابِ حينَها أهلُ شَوكةٍ وقُوَّةٍ، فجاءَ النصُّ عليهم، واللهُ أعلَمُ، قوله تعالى.
{حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} الصَّغَارُ هو
(1)"تفسير ابن أبي حاتم"(1/ 128).
(2)
"تفسير ابن أبي حاتم"(1/ 127).
(3)
"تفسير القرطبي"(2/ 161).
(4)
"تفسير القرطبي"(2/ 36).
الذِّلَّةُ، فلا يُعطُونَ المالَ بمِنَّةٍ كالهديَّةِ والهِبَة، فتكونَ لهم اليدُ العُليا، فهذا ليس مِن مقاصدِ الجِزْيةِ؛ وإنَّما تكونُ الجِزْيةُ معَ قوةٍ، وظهورِ أمرٍ، وقدرةٍ على قتالٍ.
وقد أحَذَ عمرُ الجِزْيةَ مِن بعضِ نصارى العرَبِ؛ كَتَغْلِبَ، لمَّا كَرِهُوا مُشابهتَهُمْ بالعَجَم، فقالوا: نحن عربٌ ولا نُؤدِّي ما تُؤدِّيهِ العجَمُ، ولكن خُذْ منَّا باسْمِ الصَّدَقةِ كما تأخُذُ مِن العرَب، كما رَوَى أبو عُبَيْدٍ، عن هُشَيْم، حدَّثَنا مُغِيرةُ، عن السَّفَّاح بن المثنَّى الشيبانيُّ، عن زُرْعَةَ بنِ النعْمانِ - أو: النُّعْمانِ بنِ زرْعَةَ -: "أَنَّه سألَ عمرَ بنَ الخطَّابِ وكلَّمَهُ في نَصارى بني تَغلِب، وكان عمرُ قد هَمَّ أن يَأخُذَ مِنهم الجِزْيةَ، فتَفرَّقوا في البلاد، فقال النُّعمانُ بن زُرْعةَ لعُمرَ: يا أميرَ المؤمنِينَ، إنَّ بني تَغلِبِ قومٌ عربٌ يَأنَفُونَ مِن الجِزْية، وليسَتْ لهم أموالٌ؛ إنَّما هم أصحابُ حُرُوثٍ ومَوَاشٍ، ولهم نِكَايةٌ في العدوّ، فلا تُعِنْ عَدُوَّكَ عليك بهم، قال: فصالَحَهُمْ عمرُ رضي الله عنه على أن تضعَّفَ عليهم الصَّدَقةُ، واشترَطَ عليهم ألَّا يُنَصِّرُوا أولادَهم" رواهُ أبو عُبيدٍ (1).
ولهذا ضاعَفَ عليهم عمرُ الجِزْيةَ؛ كما روى الحَكَمُ بن عُتَيْبةَ؛ قال: "سمعتُ إبراهيمَ النَّخَعيَّ يُحدِّثُ عن زيادِ بنِ حُدَيرٍ - وكان زيادٌ يومَئذٍ حيًّا - أنَّ عمرَ رضي الله عنه بعثَهُ مُصَدِّقًا، فأمَرَهُ أنْ يأخُذَ مِن نصارى بَني تَغلِبَ العُشْرَ، ومِن نصارى العربِ نِصْفَ العُشْرِ" رواهُ عبدُ الرزّاقِ (2).
وإنَّما ترَكَ عمرُ أَخْذَها باسْم الجِزيةِ؛ حتَّى لا تَعظُمَ الفتنةُ بهم؛ بلَحَاقِهم بعدوِّه، وانتفاعًا بمالِهم وقُوَّتِهِمْ عندَ الحاجةِ إليهم، وفي هذا أنَّ تحقُّقَ المعاني أعظَمُ مِن تحقُّقِ المصطَلَحات، وقد أخَذَ النبيّ صلى الله عليه وسلم مِن
(1) أخرجه أبو عبيد في "الأموال"(71).
(2)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(10125).