الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورةُ هُودٍ
سورةُ هُودٍ سورةٌ مكيَّةٌ؛ كما قالهُ ابنُ عبَّاسٍ والحسَنُ وعِكْرِمةُ وقتادةُ وغيرُهم (1)، وفيها بيانُ فضلِ القرآنِ وإعجازِ اللهِ به، وقَصَصُ الأنبياءِ مع أمَمِهِمْ للاعتبارِ والتثبيتِ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم ولأُمَّتِه.
* * *
قال تعالى: {وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29)} [هود: 29].
في هذه الآيةِ: أنه ينبغي ألَّا يُؤخَدَ على دعوةِ الناسِ وإرشادِهم مالٌ؛ لأنَّ أَخْذَ المالِ يَجعَلُ يدَ المُعطِي العُلْيا، وتَنكسِرُ له النَّفْسُ الآخِذةُ، وتميلُ إليه وتُحِبُّهُ، والنَّفْسُ مجبولةٌ على حُبَّ مَن أحسَنَ إليها، وكلُّ مالٍ يَجعلُ صاحِبَهُ يقولُ الباطلَ أو يسكُتُ عن الحقِّ، فهو سُحْتٌ، وكلُّ آخِذٍ للمالِ أعلَمُ بنفسِه.
عدمُ أَخْذِ الأنبياءِ المالَ على دَعْوَتِهم:
ومع عظَمةِ منزلةِ الأنبياءِ وعِصْمتِهم إلَّا أنَّهم كانوا لا يأخُذونَ المالَ مِن أُمَمِهم؛ فقد قال نُوحٌ لقومِهِ: {وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ
(1)"تفسير القرطبي"(11/ 62).
إِلَّا عَلَى اللَّهِ}، وقال مِثْلَ ذلك في الشُّعَراءِ ويُونُسَ، وقال هودٌ لقومِهِ:{يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي} [هود: 51]، وقال مِثلَ ذلك في سورةِ الشُّعَراء، وقالهُ مِثلَه صالحٌ ولُوطُ لقومِهما فيها.
وقد ذكَرَ اللهُ في كتابِهِ إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ ونُوحًا وداودَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويوسُفَ ومُوسى وهارونَ وزكريَّا ويحيى وعيسى وإلياسَ وإسماعيلَ والْيَسَعَ ويونُسَ ولوطًا، ثُمَّ قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الأنعام: 90]، وقال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم:{قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (57)} [الفرقان: 57].
وأمَرَ اللهُ نبيَّه بعدمِ سؤالِ الناسِ شيئًا؛ حتى لا يظُنُّوا له طمعًا فتَنصرِفَ قلوبُهُنم عنه ولو كان متجرِّدًا في نفسِه، وقد قال تعالى:{قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: 23]، وقال:{قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ} [سبأ: 47].
والحِكْمةُ مِن عدمِ سؤالِ الأنبياءِ مالًا وأجرًا مِن قومِهم أمورٌ، أظهَرُها أمرانِ:
الأولُ: أنَّ الناسَ تَزهَدُ فيمَن يأخُذُ مالًا على دَعْوتِه؛ لأنَّهم يشُكُّونَ في قَصْدِه، ويظُنُّونَهُ يطلُبُ دُنيا عاجلةً ورِفْعةً وعلوًّا وجاهًا، ويَعرِفونَ المتجرَّدَ مِن قِلَّةِ طَمَعِهِ فيهم، وسؤالِهِ الحاجاتِ منهم، وتشوُّفِهِ إلى ما في أيدِيهِم، وقد قال الرجلُ الذي جاء مِن أَقْصى المدينةِ:{يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21)} [يس: 20 - 21]؛ فاستدَلَّ على صِدْقِهم بعَدَمِ طَمَعِهم، ومَنِ اعتادَ أحدَّ الأجرِ على دَعْوتِهِ ونُصْحِه، واحتاجَ إلى هذا العطاءِ وتعلَّقَ به، تكلَّفَ في حديثِهِ وفِعْلِهِ حتى يُعطِيَهُ الناسُ، وأخَدَ يقولُ ما لا يُحِبُّهُ ويُؤمِنُ به ما دامَ الناسُ الذين