الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولم يَحمِلْ قومَ لوطِ على ذلك عقلُ إنسانٍ، ولا شهوةُ حيوانٍ، فكان ذلك شَهوةً عن هوًى ومُكابَرةٍ؛ ولذا قال تعالى:{بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} .
ذكَرَ الشهوةَ؛ إشارةً إلى أنه لا وجودَ لعقلٍ فيما ذهَبُوا إليه، فليس المَنزَعُ عن شبهٍ فيها عِلمٌ؛ ولذا قال تعالى عنهم في سورةِ النملِ:{بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [55]، فهم مُعتدُونَ على العقلِ والدِّينِ كلِّه، ولذا قال عنهم كما في سُورةِ الشعراءِ:{بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} [166].
فقومُ لوطٍ ألغَوُا الحقلَ وتجاوَزُوا حد الشهوةِ وجِهَتَها؛ وسَرَفُهُمْ هو تعدِّيهِم على الفِطْرةِ والشِّرْعة، ففِعلُهم غايةُ الجهلِ والمُعانَدةِ الذي لا يمكنُ أن يكونَ معه شُبهةٌ مِن عِلم أو فِطْرة، فهو محضُ جهلٍ اتبعوهُ عن مُكابَرةٍ وعنادٍ.
تدرُّجُ قومِ لوطٍ بالفاحشةِ:
ويدُل النظرُ الصحيحُ البيِّنُ إشارةُ القرآنِ: أنَّ الفاحشةَ بدَأَت في قومِ لوطٍ بالزِّنى، حتى إنَّ الفِطرَ الصحيحةَ لا تَبدأُ بأدبارِ الزوجاتِ حتى يشيعَ فيها الرغبةُ في غيرِ الزوجاتِ كما يَفعَلونَ بالزوجات، ثم يَرجِعونَ إلى أدبارِ زوجاتِهم، ثم أدبارِ الزانيات، فلما استَمرَؤُوا على ذلك، تشوَّفُوا إلى الرِّجالِ.
وهذه خطواتُ إبليسَ في كلِّ بابٍ مِن المحرَّمات، فالشيطانُ تَستعصِي عليه فِطرةُ الإنسانِ أن يُخرِجَها مِن وَطءِ الزوحاتِ بالمشروعِ إلى إتيانِ الذُّكُورِ مباشَرةً، وقد قال جامعُ بن شدَّادٍ:"كانتِ اللُّوطَّيةُ في قومِ لوطٍ في النِّساءِ قبلَ أن تكونَ في الرجالِ بأربعينَ سنةً"(1)، وقال مجاهدٌ:
(1)"تفسير ابن أبي حاتم"(5/ 1518).
"إنَّما تعلَّمَ قومُ لُوطٍ اللُّوطيَّةَ مِن قِبَلِ نسائِهِمْ"؛ أخرَجَه ابنُ أبي حاتمٍ (1).
وقال طاوسٌ: "كان بدْءُ عملِ قومِ لوطٍ فِعْلَ الرِّجالِ والنِّساء، ثم فعَلَه الرِّجالِ بالرِّجالِ"؛ أخرَجَه الخَلَّالُ (2).
ورُوِيَ في معناهُ خبرٌ مرفوعٌ، لا يصحُّ.
وهذه طريقةُ إبليسَ في إغواءِ بني آدمَ، كما أَغْوَى الغَرْبَ مِن الإنجليزِ والأمريكانِ اليومَ بتشريعِ ما فعَلَهُ قومُ لوطٍ، وقد مَرُّوا بما مَرَّ به أسلافُهُم مِن قومِ لُوطٍ وعلى نفسِ خُطُواتِهم، وقد دَلَّ النظرُ والأثرُ على أنَّ قومَ لُوطٍ مروا بخمسِ مراحلَ في فاحشتِهم:
المرحلةُ الأُولى: وقوعهُمْ في الزنى، فخرَجُوا مِن المكانِ المشروعِ مِن زَوْجاتِهم، إلى المكانِ نفسِهِ مِن النساءِ المحرَّماتِ عليهم.
المرحلةُ الثانية: وقوعُهم في أدبارِ زوجاتِهم، قبلَ وقوعِهم في أدبارِ المحرَّماتِ عليهم.
المرحلة الثالثةُ: وقوعُم في أدبارِ النساءِ المحرَّماتِ عليهم.
المرحلة الرابعة: وقوعهم في إتيانِ الرِّجالِ شَهوةً ونزوةً، لا تشريعًا لِفعلِهم؛ كتشريعِ الشرعِ والفِطرةِ إتيانَ الرِّجالِ للنساءِ في قُبُلِهِنَّ؛ فإنَّ الأُمَمَ لا تُشرِّعُ الشهواتِ ابتداءً، ولكنْ تَبْدَأُ بها خُفيةٌ ونَزوةً يُستتَرُ بها، ثم يَجسُرُونَ على فِعلِها علانيَةً، ثم يُفاخِرونَ بها، ثم تكونُ فِعْلًا صحيحًا وشريعةً يُعمَلُ بها لا يجوزُ إنكارُها على فاعِلِها.
المرحلةُ الخامسةُ: تشريعُهُمْ إتيانَ الرِّجال، فبعدَما فعَلُوها شهوةً، جعَلُوها شريعةً وفخْرًا وحضارةً، وذلك أنَّهم لا يَبدؤُونَ بالمجاهَرةِ في
(1)"تفسير ابن أبي حاتم"(9/ 2904).
(2)
"السُّنَّة" لأبي بكر الخلال (4/ 164).
النوادِي إلَّا لِما يَرضَوْنَهُ؛ كما قال تعالى: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} [العنكبوت: 29].
وهذه الخطواتُ والمراحلُ يدُلُّ عليها النظرُ والأثرُ، وكلُّ خُطْوةٍ فيها درجاتٌ، فالنفوسُ لا تُقارِفُ الفاحشةَ حتى تَستلِذَّ النظرَ، ثم تَستلِذَّ المُصافَحةَ فالمُجالَسةَ فالمُماسَّةَ والمُقارَفةَ.
وقد عظَّمَ قومُ لُوطٍ فاحشتَهُمْ حتى جعَلُوها مَيزةً لهم بينَ الأمم، وجعَلُوها تشريعًا كتشريعِ نِكاحِ الرِّجالِ للنساء، وقد صنَعُوا لتلك الفاحشةِ تماثيلَ مِن ذهبٍ وحجارةٍ وخشبٍ تُصَوِّرُ الفاحشةَ، فيُعظِّمونَ تلك التماثيلَ والرسومَ في مَجَالِسِهم ومَعابِدِهم، حتى أصبَحَ فَخرًا بذلك الضلالِ؛ كما قال تعالى:{وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} ؛ يعني: مُجاهَرةً ومُفاخَرةً.
وقد زارني رجلٌ مِن أطرافِ الأُرْدُنِّ وأَراني تماثيلَ وجَدَها مِن دَفْنِ الجاهليَّةِ في أرضِ بِكْرٍ استصلَحَها للزِّراعة، فوجَدَ فيها نحوتًا مِن حجارةٍ ومعادنَ تجسِّدُ فاحشةَ قومِ لوطٍ، ومِثلُها لا يجوزُ بيعُهُ ولا اقِتناؤُهُ، بل يجبُ إتلافُه، وظهَرَ مِن تلك التماثيلِ ما بلَغَهُ قومُ لُوطٍ مِن تعظيمٍ لفاحشتِهم وتأصُّلِ العنادِ في نفوسِهِمْ لنبيِّ اللهِ لُوطٍ عليه السلام.
وظاهرُ فعلِ قومِ لوطٍ: أنَّهم لم يَنحِتُوا تلك التماثيلَ إلَّا لمَّا تَفاخَرُوا بفَعْلَتِهم تلك، ويحتمِل أن الذين مثلوهم وصورُوهم هم الذين بَدَووا بتشريعِ تلك الفَعْلة، وليس أوَّلَ مَن فعَلَها فيهم؛ لأنَّ الفاعِلِينَ الأوَّلينَ لها كانوا يَستتِرُونَ بها، والفواحشُ تَبدَأُ خُفْيةً ثم تَشِيعُ ثم تُشرَّعُ، والأُمَمُ تعظِّمُ المشرِّعينَ للشُّبُهات، لا الفاعِليِنَ للشَّهَوات، والأظهَرُ: أنَّهم عظَّمُوا أولَ مَن شَرَّعَها، لا أوَّلَ مَن فعَلَها.