الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القادمِ مِنْ أصحابِهِ إجلالًا ومودَّةً؛ أخذًا مِن هذِهِ الآيةِ كما جاء عن أبي العالية، كما عندَ أبي نُعَيْمٍ عن أبي خَلْدَةَ؛ قال:"كان أبو العاليةِ إذا دخَل عليه أصحابُهُ يُرحِّبُ بهم ثم يَقْرَأُ: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: 54] "(1).
والحقوقُ والحاجةُ بينَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم والصحابةِ متبادَلةٌ، والأصلُ: أنَّ حقَّ النبيِّ أعظَمُ، وإنْ جاؤوا طالِبينَ سماعَ كلامِ الله، فحقُّهم أعظَمُ، لا لفضلِهم على مقامِ النُّبُوَّةِ؛ وإنَّما لفضلِ مطلوبِهِمْ على كلِّ مطلوبٍ، وحقِّهم على كلِّ حقٍّ؛ فواجبُ النبوَّةِ البلاغُ، وواجبُ الناسِ السماعُ والعملُ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يَملِكُ البلاغَ والإسماعَ، ولكنْ لا يَملِكُ قلوبَ العِبادِ؛ فدخولُ الصحابةِ لمعرِفةِ العملِ ليَعمَلوا؛ وبهذا زادُوا بالحقِّ؛ ولهذا جاء تخصيصُ مُبادَرةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالتحيَّةِ على مَن دخَلَ مؤمنًا مِن قبلُ:{وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا} ، ولم تكنِ المبادرةُ بالتحيَّةِ لِمَنْ دخَلَ غيرَ مؤمنٍ؛ كما في قولِهِ تعالى:{وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6]، وبطلبِ السماعِ للاتَّباعِ استحَقَّ الصحابةُ حقَّ بَذْلِ التحيَّةِ عليهم ولو كانوا هم الداخِلِين؛ فقد يكونُ المفضولُ أحَقَّ بالشيءِ مِن الفاضل، ولا يُؤثِّرُ هذا في أصلِ التفاضُلِ.
البداءةُ بالسلامِ:
وقد جاءَتِ السُّنَّةُ بترتيبِ الأحقِّ بالبدءِ بالسلامِ؛ حتى لا يتواكَلَ الناسُ بعضُهُم على بعضٍ، وتَجِدَ النفوسُ للكِبْرِ مَوضِعًا، ويطلُبَ أحدُهُمْ حقًّا ليس له، فيَظُنَّ الرفيعُ أنَّ له الحقَّ أنْ يُسلَّمَ عليه لرِفْعَتِهِ وشَرَفِهِ بكلِّ
(1)"حلية الأولياء"(2/ 221).
حالٍ، ويظُنَّ الغنيُّ أنَّ له الحقَّ بالسلامِ عليه على الفقيرِ بكلِّ حالٍ، وقد جاء الإسلامُ بالتفريقِ بينَ الأحوالِ بالسلامِ؛ ففي "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال صلى الله عليه وسلم:(يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الكَبِير، وَالمَارُّ عَلَى القَاعِد، وَالقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ)(1).
والتحيَّةُ لا تسقُطُ بتعطيلِ الأَوْلى ببَذْلِها؛ فإنَّ المُادِرَ بالسلامِ أفضَلُ بكلِّ حالٍ، وإنَّما جاء بيانُ الأحقِّ بها؛ حتى لا يَضَعَ الناسُ الاستحقاقَ بها على ما يَهوَوْنَ، فيَجعلُوها على الدُّنيا باعتبارِ الغِنَى أو الرياسةِ، أو الجَاهِ والشَّرَفِ والنَّسَبِ وغيرِ ذلك.
وقد كان السلفُ يَتَّفِقونَ على أنَّ السلامَ لا يسقُطُ بتَرْكِ الأَولى به، وأنَّ المُبادِرَ بالسلامِ أفضَلُ مِن غيرِهِ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم:(وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ)(2)؛ وبهذا يقولُ السلفُ ويَعملونَ؛ كأبي بكرٍ وعمرَ وابنِ عمرَ وابنِ مسعودٍ وشُرَيْحٍ والشَّعْبيِّ وغيرِهم، وقد جاء عن أبي هريرةَ قولُهُ:"أَبْخَلُ النَّاسِ مَنْ بَخِلَ بِالسَّلَامِ"(3)، وقد صحَّ عن ابنِ عمرَ أنه ما كان أَحَدٌ يَبْدَؤُهُ -أَو يَبْدُرُهُ- بِالسَّلَامِ؛ رواهُ البخاريُّ عن بُشَيْرِ بنِ يَسارٍ، عنه، به (4).
وقد روى البيهقيُّ، عن زيدِ بنِ وهبٍ؛ قال: قال عبدُ اللهِ - هو ابنُ مسعودٍ -: "إِنَّ السَّلَامَ هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَضَعَهُ اللهُ فِي الْأرْض، فَأَفْشُوهُ بَيْنَكُمْ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَرَّ عَلَى الْقَوْم، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَرَدُّوا عَلَيْه، كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ فَصْلُ دَرَجَةٍ بِأنَّهُ أَذْكَرَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَرُدُّوا عَلَيْه،
(1) أخرجه البخاري (6231)، ومسلم (2160).
(2)
أخرجه البخاري (6077)، ومسلم (2560).
(3)
أخرجه البخاري في "الأدب المفرد"(1015)، وابن حبان في "صحيحه"(4498)، والطبراني في "الدعاء"(60)، والبيهقي في "الشعب"(8394).
(4)
أخرجه البخاري في "الأدب المفرد"(982).