الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ما يحِلُّ مِن البهائِمِ:
وقوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} : العربُ تسمِّي الإبل والبَقَرَ والغَنَمَ أنعامًا، ولكن المرادَ بالآيةِ: عمومُ البهائم، الإنسيَّةِ؛ كالإبلِ والبقرِ والغنم، والوحشيَّةِ؛ كالغَزَالِ وحِمارِ الوحش، لأنَّ اللهَ استثنَى بعدَ ذلك مِن الأنعامِ أوصافًا يدخلُ فيها الإبلُ والبقرُ والغنمُ وغيرُها، وذلك في قوله:{غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} ، وهذا استثناءٌ مِن بهيمةِ الأنعام، والأنعامُ الإنسيَّةُ لا تُصادُ.
وفي هذه الآيةِ؛ دليلٌ على إباحةِ كلِّ بهيمةٍ مِن كلِّ نوعٍ، وعلى كلِّ صورةٍ، وعلى كلِّ سنٍّ صغيرِها وكبيرِها، ولا يُستنثى مِن أحوالها إلا ما دلَّ الدليلُ على استثنائِهِ؛ كالدمِ والمَيتَةِ وما ذُبِحَ لغيرِ اللهِ منها.
حكمُ جنين البهيمةِ:
وقد استدَلَّ جماعةٌ مِن الصحابةِ بعمومِ هذه الآيةِ على حِلِّ الجنينِ في بطنِ أمِّهِ لو وُجِدَ ميِّتًا في بطنها بعدَ ذَكَاتِها؛ وهو قولُ ابنِ عمرَ وابنِ عبَّاسٍ.
أحوالُ موتِ الجنين في بطنِ أمِّه:
والجنينُ في بطنِ أمِّه يأخُذُ حُكمَها إنْ كان ميِّتًا في بطنها؛ وهو بموتِهِ في بطنِها معها على حالتينِ:
الحالةُ الأُولى: إنْ كانت أمُّهُ لا تَحِلُّ بموتِها بخَنْقٍ أو وَقذٍ أو نَطْحٍ أو تَرَدٍّ أو ذبحٍ لغيرِ الله، فجَنِينُها مُحرَّمٌ مِثْلُها؛ فهو عضوٌ منها يحرُمُ كحُرْمةِ يدِها ورِجْلِها وأَلْيَتِها.
الحالةُ الثانيةُ: إن كانت أمُّه ماتتْ بصورةٍ مباحةٍ؛ كالمُذَكَّاةِ ذَكَاةً شرعيَّةً، أو وُجِدَ في بطنِ الصَّيْدِ المَرْمِيِّ بسهمٍ جنينٌ؛ كالغزالِ
وحِمَارِ الوحشِ ونحوهما؛ فهو حلالٌ؛ لأنَّ موتَ أمِّه بسببٍ حلالٍ.
وإنَّما أخَذَ الجنينُ حُكمَ أمِّه بموتِهِ معها! لأنه كحُكمِ أحدِ أعضائِها، ولا يُوجَدُ في الجنينِ حياةٌ يستقِلُّ بها عن أمِّه، وإلَّا لم يَمُتْ بموتِها، فهو حيٌّ كبقيَّةِ أعضائِها، وليس به مِن الدمِ ما يُحتاجُ لإراقتِهِ عندَ الذَّبحِ، وقد رُويَ عن ابنِ عمرَ:"هو بمزلةِ رِئَتِها وكبِدِها"(1).
وقد جاء في "السنن"؛ من حديثِ جابرٍ (2)، وأبي سعيدٍ (3)؛ قال صلى الله عليه وسلم (ذَكاةُ الجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ).
وإن مات الجنينُ في بطنِ أمِّه وهي حيَّةٌ، فهو محرَّمٌ؛ سواءٌ سقَطَ مِن بَطنِها ميِّتًا، أو شُقَّ بطنُها بجراحةٍ ثم أُخرِجَ منها وهي حيَّة، فحكمُهُ كحُكمِ العضو المقطوعِ منها وهي حيَّةٌ، كقَطعِ الأَلْيَةِ واليدِ والرِّجل، فلا يجوزُ أَكلُه؛ لِمَا في الحديثِ:(مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ، فَهوَ مَيْتَةٌ)(4)، ويستثنى مِن هذا: ما قُطِعَ مِن البهيمةِ وهي حيَّةٌ تُطلَبُ لكونِها صيدًا هاربًا، أو مِن بهيمةِ الأنعامِ التي توحَّشتْ، فرُمِيَت بسهمٍ أو سيفٍ فقُطِعَت يدُها أو رِجلُها وبَقيت حيةً، ثم ماتت بذبحٍ أو بسببِ السهم، فنزَفَ دمُها، فما قُطِعَ منها قبلَ التَّمكُّنِ منها يتبعُ حكمَها اللاحقَ على الصحيحِ.
وإنْ خرَجَ الجنينُ حيًّا، استقَلَّ بالحُكمِ بنفسِهِ كبقيَّةِ البهائمِ.
وقوله تعالى في الآيةِ: {إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} دليلٌ على وجودِ التحريمِ
(1)"تفسير الطبري"(8/ 14).
(2)
أخرجه أبو داود (2828)(3/ 103).
(3)
أخرجه أحمد (11260)(3/ 31)، وأبو داود (2827)(3/ 103)، والترمذي (1476)(4/ 72)، وابن ماجه (3199)(2/ 1067).
(4)
أخرجه أحمد (21903)(5/ 218)، وأبو داود (2858)(3/ 111)، والترمذي (1480)(4/ 74).