الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هشامُ بن قتادةَ، عن أبيه؛ بمعنى حديثِ وَاثِلةَ (1)؛ وهو مُسلسَلٌ بالمَجَاهِيلِ.
ولكنَّه لا يثبُتُ دليلٌ صريحٌ في أمرِ الكافرِ بذلك، وقد ذهَبَ مالكٌ وأحمدُ: إلى إيجابِ اغتسالِه، واستَحَبَّهُ الشافعيُّ ولم يُوجِبْهُ، وروى ابنُ وهبٍ عن مالكٍ: أنه لا يَعرِفُ الغُسْلَ.
ومَن تأمَّلَ الصحابةَ وحالَهم، وجَدَ أنه لم يُولَدْ في الإسلامِ ويَبلُغْ قبلَ وفاةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلَّا نفَرٌ قليلٌ، ومَن كان على جاهليَّةٍ ودخَلَ الإسلامَ، لو كان الاغتسالُ واجبًا، لكان عليهم جميعًا، أو على عامَّتِهم، وَينبَغي مِثْلُ هذا أنْ بَثبُتَ به النصُّ ويَشَتَهِرَ، والوفودُ الذين جاؤوا لِيُسْلِمُوا ويَذْهَبُوا لم يُؤمَروا بشيءٍ مِن ذلك، ولو أُمِرُوا، فهو أبْقى في أذهانِهم وأَولى بالذِّكْرِ؛ لأنَّ الذِّهْنَ يَحفَظُ اْوَّلَ ما يُؤمَرُ به الإنسانُ عندَ تَحوُّلِه.
ولا أعلَمُ فيه شيئًا يَصِحُّ عن أحدٍ مِن الخلفاءِ الراشِدينَ وفقهاءِ الصحابةِ؛ أنه أمَرَ داخِلَ الإسلامِ أن يَغتسِلَ.
قولُه تعالى {فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} :
حُكْمُ دخولِ الكافِرِ للمساجِدِ:
ويتَّفِقُ العلماءُ على حُرْمةِ الإقامةِ للكافرِ في المسجدِ الحرامِ؛ فلا يَتَّخِذُهُ سُكْنَى ومُقَامًا كسائرِ الأرضِ؛ لظاهرِ الآية، وإنَّما خِلافُهم في مرورِ الكافرِ وعُبُورِه، وأكثرُ السَّلَفِ والفقهاءِ على المنع، وقد جوَّز أبو حنيفةَ دخولَ الذِّمِّيِّ.
وللمسجِدِ الحرامِ تعظيمٌ وخصيصةٌ ليسَتْ لغيرِهِ مِن المساجدِ في الأرضِ؛ وذلك لأنَّ فيه مَناسِكَ وعبادةً لا تصِحُّ في غيرِه، ولأنَّه معظَّمٌ عندَ كثيرٍ مِن أهلِ الكتابِ والمشرِكينَ بخلافِ مسجدِ المدينة، ولهم فيه
(1) أخرجه الطبراني في "المعجم الكير"(19/ 14)(20).
مطمَعٌ ورغبةٌ في إظهارِ العبادة، فمُنِعُوا مِن ذلك وشدِّدَ عليهم، فجاءتِ الَايهُ بالنصِّ عليه بالتحريم، ولأنَّه قِبْلةُ المُسلِمينَ، والحَدَثُ فيه ليس كغَيْرِه، فوجَبَ صِيانتُهُ وتعظيمُه.
واختُلِفَ في تعميمِ النَّهْيِ على سائرِ مساجدِ الأرض، وبالتعميم قال عمرُ بن عبد العزيرِ ومالكٌ فقد روى ابنُ جَريرٍ، عن أبي عمروٍ؛ أنَّ عمرَ بنَ عبد العزيزِ كتَب: أنِ امنَعُوا اليهودَ والنَّصَارى مِن دخولِ مساجدِ المُسلِمينَ، وأتْبَعَ في نهيِهِ قولَ اللَّهِ:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} (1).
ولم يَقُلْ بالتعميمِ الشافعيُّ وجماعةٌ؛ فقد آجازَ الدخولَ بإذنِ المُسلِمينَ.
والأصلُ: أنَّ عامَّةَ المساجدِ لا يَدْخُلُها إلَّا مسلِمٌ، ما لم تَكُنْ حاجةٌ، وذلك لأمورٍ عدَّةٍ:
منها: أنَّ المساجدَ بيوتُ الله، وبيوتُهُ لا يَعْمُرُها مَن لا يَعْبُدُه، وحتَّى لا يَختلِطَ الإسلامُ بغيرِهِ مِن الكفرِ والشِّرْك، كان الأصلُ مَنْعَ المشرِكِ مِن دخولِ المساجدِ؛ بخلافِ الحاجةِ العارضةِ؛ وذلك أنَّ عِمارتَها مِن غيرِ أهلِها يُخالِفُ المقصودَ مِن بِنائِها.
ومنها: أن الإذنَ بدخولِ المشرِكينَ للمساجد، وجَعْلَ ذلك أصلًا كدخولِ المُسلِمينَ: يُذهِبُ فضلَ المساجدِ الذي اختَصَّتْ به عن بقاعِ الأرضِ؛ كما في مسلمٍ؛ مِن حديثِ أبي هُرَيرةَ؛ قال صلى الله عليه وسلم: (أحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ أسوَاقُهَا)(2)؛ فلا فَرْقَ بينَ المسجدِ والسُّوق، وإنَّما اختَصَّتِ المساجدُ بالفضلِ؛ لاختصاصِ المُسلِمينَ بها، ولاختصاصِها مِن جهةِ الأصلِ بالعبادةِ؛ وذلك أنَّ دخولَ الكافِرينَ إليها يَجعَلُهُمْ يَفعَلونَ ما يَشاؤونَ مِن اللَّغوِ والحديث، ولا
(1)"تفسير الطبري"(11/ 398).
(2)
أخرجه مسلم (671).
يُفرِّقونَ بينَ حلالٍ وحرامٍ؛ ولا بينَ إيمانٍ ولا كفرٍ، فيَفعَلونَ ما يَفعَلونَه في سوقِهم.
ومنها: أنَّ اللهَ جعَل لِزُوَّارِ بيتِه فضلًا ومَنْزِلةً، ويُروى أنَّهم زوَّارُهُ وضُيُوفُهُ وأهلُه، وأنَّها بيوتُ المتَّقينَ، وإذا اعتادَ المشرِكُ، قَصْدَ المسجد، الْتَبَسَ هذا الفضلُ واختلَطَ بمَن لا يَستحِقُّه، وقد صحَّ عندَ عبد الرزَّاق، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ الأَوْدِيُّ؛ قال: أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ المَسَاجِدَ بُيُوتُ اللهِ فِي الأَرْض، وَإِنَّهُ لَحَقٌّ عَلَى اللهِ أَنْ يُكْرِمَ مَنْ زَارَهُ فِيهَا)(1).
ومَن اعتادَ دخولَ المسجدِ يُشهَدُ له بالإيمانِ؛ وهذا ظاهرُ قولِهِ تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} [التوبة: 18]،ويُروى فيه مِن حديثِ أبي سعيدٍ الخدريُّ؛ قال صلى الله عليه وسلم:(إِذَا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ المَسْجِدَ، فَاشْهَدُوا لَهُ بِالإِيمَانِ)، {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: 18]؛ أخرَجَه التِّرْمِذيُّ وغيرُه (2).
ومنها: أنَّ المساجدَ مختصَّةٌ بحِصْنِها مِن الشَّيْطان، وشهودُ الملائكةِ فيها ليس كغيرِها؛ وذلك لفضل المكانِ وفضلِ عُمَّارِه، وقد قال عبدُ الرحمنِ بن مَعْقِلٍ:"كُنَّا نَتَحَدَّثُ أنَّ المَسْجِدَ حِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ"؛ رواهُ ابن أبي شَيْبةَ (3).
وقد جعَلَها النبيُّ صلى الله عليه وسلم ملجَأَ المؤمنينَ مِن الشيطانِ؛ كما رُوِيَ عندَ أحمدَ؛ من حديثِ مُعاذِ بنِ جبل؛ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الإِنْسَانِ كَذِئْبِ الْغَنَمِ؛ يَأْخُدُ الشَّاةَ الْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ؛ فَإِيَّاكمْ وَالشِّعَابَ،
(1) أخرحه عبد الرزاق في "المصنف"(20584).
(2)
أخرحه أحمد (3/ 76)، والترمذي (3093)، وابن ماجه (802).
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(34613).