الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأمَّا ما جاء عن ابنِ عمرَ: أنه كان إذا أكدَ اليمينَ، أعتَقَ أو كَسَا، وإذا لم يؤكِّدها، أطعَمَ، وقيل لنافعِ: ما تأكيد اليمين؟ قال: أن يَحلِفَ على الشيءِ مرارًا (1)، فهذا مِن بابِ تقديمِ إبراءِ الذمةِ والأحَظِّ للفقيرِ والأنفسِ، وهو مِن بابِ البِر والإحسان، لا مِن بابِ الترتيبِ والإلزام.
تلفيقُ كفارة اليمين:
وجمهورُ العلماء: على أنَّه لا يَصيرُ إلى تقسيم الكفَّارةِ الواحدةِ على أكثَرَ من نوع؛ فبدلًا مِن إطعامِ عشرة، يطعِمُ خمسة، وَيكسُو خمسة، خلافًا لأبي حنيفةَ؛ فقد أجازَه بشروط، والتوسعُ في الجوازِ يفضي إلى مخالفةِ المقصودِ مِن الكفارة.
وعليه: فمَن قدَرَ على بعضِ الطعامِ وبعضِ الكِسوة، فله الإطعامُ أو الكِسوةُ عن بعض، وأما الصيامُ بما يَزيدُ عن مقدارِ ما نقَصَ؛ كمَن وجدَ ثلُث الإطعامِ في الكفَّارةِ أو ثُلُثَيها، فليس له أن يصومَ عَدلَ ما بَقِيَ، فلم يقُلْ بهذا أحد من السلفِ؛ ولمن قال به بعدهم شُبهةٌ؛ أنَّ اللهَ قال:{فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} ، وهو واجد لبعضِه، واللهُ يقولُ:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]؛ ولكنه قول مخالف لقولِ السلفِ عامَّةً.
مقدار الإطعامِ في كفَّارةِ اليمين:
وقوله تعالى: {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} لا حَد لمقدارِ الطعام، ويكفي فيه الإشباعُ للناسِ الأَسوِياء، ولا يدخُلُ في هذا غيرُ السويِّ التام كالطفلِ؛ فإنه تشبعُة تمرة وتَمرتان؛ وإنما المسكينُ السويُّ، ومَن جَمَعَهم على مائدة واحدةٍ، فأكلُوا، كَفَتْهُ.
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(12342)(3/ 85).
ومِن السلفِ والفُقَهاءِ: مَن يقدرُهُ للواحدِ بمقدارِ كنِصفِ الصاع، ومنهم بالمُدّ، وهذا ليس حدا توقيفيًّا كحدِّ مقدارِ زكاةِ الفِطرِ؛ وإنما يَحُدونهُ حدا للناسِ تبرَأُ به الذِّمةُ، ويَسُد حاجةَ الفقير، وَيمنع شُح الغنيِّ؛ ولهذا اختلَفَتِ الأقاويلُ عنهم، وربما عن الواحدِ منهم؛ حتى نسبُ إلى الصحابي الواحدِ والتابعي قولان، واختلاف هذه المقاديرِ في فُتيا السلفِ دليل على أنهم يُريدون الإشباعَ؛ وإنَّما اختلَفَ القولُ عنهم لاعتباراتٍ؛ منها: اختلافُ نوعِ الطعامِ؛ فيَزِيدُ في الرديءِ حتى لا يُهضَمَ الفقيرُ، وينقُصُ في النفيس حتى لا يُغبَنَ الحالِفُ، وربَّما كان لاختلافِ قدرةِ الحالفِ وطاقتِهِ وحالِ الناسِ وزمانِهم مِن جهةِ اليَسَارِ والعَجزِ، ونوعِ الفقيرِ وما يَسد جُوعَه، ويظهَرُ ذلك لجملةٍ مِن القرائنِ؛ منها:
أولًا: أن السَّلفَ لا يَختلفُ قولُهُم في أن مَن أجلَس عَشرةَ فقراءَ فأطعَمَهم حتى شَبِعُوا وقامُوا: أن ذلك يُجزئهُ عن كفارته؛ وهذا ظاهر في جعلِ العِلَّةِ الإشباعَ، لا الكيلَ المعلومَ؛ كما في زكاةِ الفِطرِ.
وقد نص على أن تغديةَ الفقراءِ وتعشيتَهُم تُجزئُ: جماعة؛ كعليِّ وابنِ عباسِ والحسنِ وابنِ سيرين، ولا مُخالِفَ لهم.
وقد صح عن ابنِ عباس أنه قال: "إن كنتَ تُشبعُ أهلَكَ فأشبعِ المساكينَ؛ وإلا فعلى ما تُطعِمُ أهلَكَ بقَدَرِه"(1).
ثانيًا: تباين الأقوالِ عن الفقيهِ الواحدِ منهم قرينة على أن العلَّةَ غيرُ الكَيلِ والوزنِ؛ وإنما الإشباع وسَد الحاجة، والناسُ يَتباينونَ في مقدارِ ما يًشبِعُهم، والأطعمة تَختلِفُ في سد الجُوعِ وكفايةِ الآكِلِ.
ولذا يُفتى الحسنُ وابنُ سِيرينَ بالإطعامِ على المائدةِ حتى الإشباعِ تارةَ، وتارة يقولونَ بالإجزاءِ بإخراجِ المُدِّ مع الإدامِ، ومرةً
(1)"تفسير الطبري"(8/ 635).
يُفتي الحسن بالمُدِّ وحدَهُ، ويُفتي مجاهدٌ تارةً بالصاعِ وتارةَ بالمد.
ثالثًا: أن مِن السلفِ مَن يُخيِّرُ بينَ نصفِ الصاعِ مِن الجيد، والصاعِ مما دونَه؛ كما جاء عن عمرَ؛ فقد جعَلَ مِن البر نصفَ صاع، ومِن التمرِ صاعًا، وكابنِ عباسٍ: جعَلَ مِن الجيدِ كالحِنْطةِ مُدا، ومما دونَه مدين، ومنهم مَن يأمر بالصاعِ للواجِد، وبنصفِ الصاعِ للعاجزِ.
وفي هذا: إشارة إلى أن الشِّبَعَ يَختَلِفُ؛ فأَعلاه الصاعُ، وأدناهُ نصف الصاع، وأعلى ما تَبْرَأ به الذمة الصاعُ، وأدناهُ نِصفه، ولو كان حدا مقدرًا بالصاعِ عندَ واحدِ منهم، لم يجزِيء النصف، ويعتبَر العاجز عن الصاعِ ولو قَدَرَ على النصفِ غيرَ واجد، فينتقلُ إلى الصومِ.
رابعًا: أن الأحاديثَ المرفوعةَ في بيانِ مِقدارِ الطعامِ معلولة، ومِثلُ الأحكامِ في الطعامِ المنضبطةِ المقدارِ كيلًا ووزنًا: تَرِدُ فيها الأحاديثُ وتتواتَر، وينقلها الصحابة، وقد ضبطَ مقدار زكاةِ الفِطرِ وهي حَولِيَّةٌ، على خلافِ في وجوبِها، مع وقوعِ كفارة الأيمان مِن الناسِ في يومِهم وليلتِهم، أو أسبوعِهم وشهرِهم؛ فمقدارُ طَعام كفارةِ اليمينِ أحوَج إلى الضبطِ والبيانِ مِن غيرِه؛ ولهذا جاء في القرآنَ بيانُ أحكامِ كفارةِ اليمين، ولم يأتِ فيه بيان أحكامِ زكاةِ الفِطرِ صريحًا، والشريعةُ لا تترك بيانَ حُكمِ أهَم وتُبينُ ما دونَهُ إلا والتركُ مقصود للتوسعةِ والتيسير، وأنه لا يَنضبِط بمقدارِ بين؛ كما في كفارةِ اليمينِ.
خامسًا: أنَّ اللهَ وصَفَ الكفارةَ ب {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} ، والإطعام مُضاف إلى آكِلِه، لا إلى مُطعِمِه؛ فلَزِمَ أن يكونَ المراد إشباعَهُ.
وعُلِمَ عقلًا وشرعًا: أنه ليس المقصود مِن الإطعام أدنَى ما يُطلَقُ عليه الطعامُ؛ كتذوُّقِ الحَبَّةِ والقَطرةِ، وهو - وإن كان يُطلَقُ عليه طعامٌ -، لكنه لا يُسمَّى في عُرفِ العربِ ولا الشرعِ إطعامًا، ففرقٌ بينَ الطعامِ وبينَ