الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كان القصاصُ في بني إسرائيلَ، وظاهرُ الآية: أنَّ شرعَ مَن قَبْلَنا شرعٌ لنا ما لم يَثبُتْ خلافُهُ في شرعِنا؛ وبهذا يقولُ جمهورُ العلماء، وذلك ظاهرٌ في قولِهِ تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ} [المائدة: 44]، فجعَلَ الله الحقَّ الذي فيها حُكْمًا إنْ دَلَّتْ على صِحَّتِهِ الشريعةُ، وأمَّا الأخذُ منها مباشرةً، فمنهيٌّ عنه؛ لأنَّه لا يُعلَمُ ما بُدِّلَ ممَّا لم يُبَدَّلْ.
عمومُ آيةِ القصاص، وحُكْمُ شرعِ مَنْ قَبلَنَا:
وقد أخَذَ الصحابةُ بهذه الآيةِ وما بعدَها، مع كونِها في اليهودِ؛ لأنَّ الحكمَ مِن اللهِ واحدٌ، فأَثْبَتَهُ اللهُ في اليهود، فيَثبُتُ في هذه الأُمَّةِ ما لم يَثبُتْ خلافُه، وقد أمَرَ اللهُ نبيَّهُ أنْ يَقتدِيَ بالأنبياءِ من قبلِه، فقال:{أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90]، وأمَرَهُ أَنْ يَتَّبِعَ مِلَّةَ إبراهيمَ:{ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123)} [النحل: 123]، وإنْ كانتِ المِلَّةُ التوحيدَ، وهو المُشتَرَكُ بينَ الأنبياء، فإنَّ الاقتداءَ بما بَلَغَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم من الاهتداءِ في الأنبياءِ السابقِينَ دليلٌ على العموم؛ ويدلُّ على ذلك ما رواهُ البخاريُّ، عن ابنِ عبَّاسٍ: "أنه سجَدَ في آيةِ سجدةٍ؛ فسأَلهُ مجاهدٌ عن ذلك؟ فقال: أوَمَا تَقْرَأَ: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ} [الأنعام: 84]، {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام:
90]؟ ! فَكَانَ دَاوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَقْتَدِيَ بِه، فَسَجَدَهَا داوُدُ عليه السلام، فَسَجَدَهَا رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم " (1).
وفيه: أنَّ ابنَ عبَّاسٍ أخَذَ بعمومِها حتى في سجودِ الآية، وفَهِمَهُ مِن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومِن ذلك: أنه قد احتَجَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقضاءِ الصلاةِ المَنْسِيَّةِ بقولِهِ تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14](2)، مع أنَّ الخِطَابَ كان لمُوسَى.
ويؤيِّدُ هذا: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال في قضائِه في سِنِّ الرُّبَيِّع بالقِصَاص، فقال:(كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ)(3)، ولم يُذكَرْ قِصاصُ السِّنِّ إلا في هذه الآية، وهي في بني إسرائيلَ؛ فدَلَّ على أنه أخَذَ الحُكْمَ منها.
وقد جاء في عموم القرآنِ ما يؤكِّدُ الأخذَ بالقِصَاصِ في الجراحاتِ؛ ومن ذلك قولُهُ تعالى: {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} [البقرة: 194]، وفي هذه الآيةِ قولُهُ، {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} .
وأمَّا كونُ شريعةِ الإسلامِ ناسخةً لغيرِها، فذلك في الأخذِ والاتِّباعِ؛ فلا يجوزُ تتبُّعُ الحقِّ مِن رسالةِ غيرِ محمدٍ ولا مِن غير كتابِهِ وسُنَّتِه، وأنَّ الحقَّ في الدِّين لا يُؤخَذُ إلَّا مِن وحي اللهِ المنزَّلِ عليه، وأنَّ القولَ بأنَّ شَرْعَ من قبلَنا شرعٌ لنا لا يعني تتبُّعَ كُتُبِهِمْ والتديُّنِ بها؛ وإنَّما ما ثبَتَ عندَنا من غيرِ طريقِهِمْ في المنقولِ عنهم في وَحْينا.
وما زال أكثرُ الفقهاء يَستدِلُّونَ في بعضِ المسائلِ بما ثبَتَ في الوحي عن السابقينَ؛ ومِن ذلك: استدلالُ الشافعيَّةِ على الكفالةِ بالنفسِ
(1) أخرجه البخاري (4807)(6/ 124).
(2)
أخرجه البخاري (597)(1/ 122)، ومسلم (684)(1/ 477).
(3)
أخرجه البخاري (2703)(3/ 186)، ومسلم (1675)(3/ 1302).