الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والأميرَ والعالِمَ يَبْلُغُ خِطابُهُ ما لا يَبلُغُهُ غيرُهُ مِن العامَّة، وكلَّما عَلا الرَّجُلُ مَنْزِلةً في الناس، كان خِطابُهُ في جهادِ النِّفاق والكفرِ أَوْجَبَ.
صُوَرُ جهادِ المُنافِقينَ:
ولجهادِ المنافِقينَ صُوَرٌ قامَ بها النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُهُ، ومِن هذه الصُّوَرِ:
الصورةُ الأُولى: دَفعُهم عن مَوضِعِ العُلُوِّ والجاهِ في الناس، وعَزْلُهم عن مَنابِرِ الخَطَابةِ والإعلامِ والتصدُّر، وعدمُ اتِّخاذِهم بِطَانةً، وقد كان لعَبْدِ اللهِ بنِ أُبيٍّ مَوضِعٌ يَخطُبُ فيه في مَسجِدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولمَّا رجَعَ بالناسِ بعدَ أُحُدٍ، وخالَفَ أَمْرَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، مُنِعَ مِن الخَطَابةِ في الناسِ؛ حتَّى لا تَقْوَى شوكتُهُ، وَيشُقَّ صَفَّ الناسِ بها.
ومِن ذلك: عدَمُ اتِّخاذِهم مَوضِعَ شورى ووِلَايةِ وإِمَارةٍ.
الصورةُ الثانيةُ: التحذيرُ مِن أفعالِهم وأقوالِهم؛ بذِكْرِها وتِلَاوةِ الآياتِ الواردةِ فيهم، ورَبْطِها بما يَبْدُو مِن أفعالِهم؛ كما كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يتلو آياتِهم على المَلَأِ ليَسْمَعوها فيحْذَرُوهم؛ فقد كان يَقرَأُ سورةَ (المنافِقونَ) يومَ الجُمُعة، فيَسْمَعُها الناسُ، وَيسمَعُ المنافِقونَ أوصافَهم؛ فَيهابُونَ ويَخافونَ، ويدْفَعُ شرُّهم.
الصورةُ الثالثةُ: التغليظُ عليهم بالقولِ عندَ ظهورِ ما يُستنكَرُ منهم، وعدَمُ اللِّينِ والرِّفْقِ بهم، ما لم تَدْعُ الحاجةُ إلى ذلك؛ تأليفًا ودفعًا لشَرِّهم؛ وهذا ظاهرُ قولِهِ تعالى:{وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} ؛ يَعني: بالقَوْلِ؛ ولهذا فَسَّرَ جماعةٌ مِن الصَّحَابةِ جِهَادَهم في الآية باللِّسَانِ؛ كما قال ابنُ عبَّاسٍ: "جهادُ الكفارِ بالسَّيْف، وجِهادُ المنافِقينَ باللِّسانِ"(1).
(1)"تفسير الطبري"(11/ 566)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(6/ 1842).
الصورةُ الرابعةُ: إقامةُ الحدودِ عليهم عندَ ظُهورِ معصيةٍ منهم كانتْ تَستوجِبُ حدًّا أو تعزيزًا؛ وعلى هذا حمَلَ جِهادَهُمْ في الآيةِ جماعةٌ مِن السلفِ؛ كالحَسَنِ وقتادَةَ وغيرِهما (1)، ما لم تَقُمْ مصلَحةٌ ظاهرةٌ بالتغافُلِ عن زَلَّتِهم والعَفْوِ عنها؛ كما ترَكَ النبُّ صلى الله عليه وسلم قَتْلَ عبد اللهِ بنِ أُبيٍّ؛ خشيةَ أن يتحدَّثَ الناسُ أنَّ محمدًا يقتُلُ أصحابَهُ (2).
وقد ذكَرَ غيرُ واحدٍ مِن العُلَماءِ: أنَّ هذه الآيةَ: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} ناسخةٌ لكلٍّ آيةِ فيها لِينٌ ورِفْقٌ بالمنافِقينَ، وعفوٌ وصفحٌ عنهم، وبهذا قال الفرطبيُّ (3)، وابن تيميَّة (4)؛ وذلك كقولِهِ تعالى:{وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ} [الأحزاب: 48]، والأظهَرُ: أنَّ اللهَ نسَخَ ذلك؛ لتغيُّرِ حالِ نبيِّه إلى قوَّةٍ، وحالِ المُنافِقينَ إلى ضَعْفٍ، وإن كان في المُسلِمينَ مُشابَهةٌ لحالِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الأُولى، فيُعمَلُ بآياتِ التعامُلِ معَ المنافِقينَ الأُولى، واللهُ أعلَمُ، وفي حالِ قُوَّةِ المُسلِمينَ والإسلامِ لا يجوزُ تغليبُ العفوِ والصفحِ واللِّينِ معهم.
* * *
في هذه الآيةِ: دليلٌ على أنَّ مَن وقَعَ منه خِيَانةٌ وغَدْرٌ وضَرَرٌ: لا يُعادُ فيُوَلَّى على ما غدَرَ به؛ وذلك أنَّ اللهَ لم يأذَن للمُنافِقينَ بعدَ ما سبَقَ منهم، ولقولِهِ صلى الله عليه وسلم:(لَا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ)(5).
(1)"تفسير الطبري"(11/ 567)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(6/ 1841).
(2)
أخرجه البخاري (4905)، ومسلم (2584).
(3)
"تفسير القرطبي"(10/ 301).
(4)
"الصارم المسلول"(ص 411، و 441).
(5)
أخرجه البخاري (6133)، ومسلم (2998).