الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واختُلِفَ فيما فعَلَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يومَ حُنَيْنٍ: هل كان عطيَّةً مِن أصلِ الغنيمةِ وأنَّها لم تُخمَّسْ، أو كان ذلك بعدَ تخميسِها وكانتِ العطيَّةُ مِن خُمُسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم خاصَّةً؟ على قولَيْنِ:
قال بالقولِ الأوَّلِ: جماعةٌ مِن العلماءِ؛ كابنِ عدِ البَرّ، وابنِ تيميَّةَ، وابنِ حَجَرٍ، وغيرِهم، ولا يَلزَمُ في كلِّ مَن قال بأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يُخمِّسْ غنيمةَ حُنَيْنٍ: أنه لا يَرى وجوبَ تخميسِ الغنيمةِ على الأُمراءِ؛ فمنهم مَن جعَلَها خاصَّةً بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم.
وقال بالقولِ الثاني: الشافعيُّ، وأبو عُبَيْدٍ القاسمُ بن سلَّامٍ، والقاضي عِياضٌ.
قِسْمةُ غنائمِ حُنَيْنٍ:
والقولُ بأنَّ النبيَّ قَسَمَ غنائمَ حُنيْنٍ، وأنَّ ما لم يقسِمْهُ هو الخُمُسُ - هو الذي يُوافِقُ ظواهرَ الأدلَّةِ ويَسيرُ عليها؛ فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ما زالَ يَقسِمُ الغنائمَ منذُ نزَلَتْ عليه هذه الآيةُ، ولو كان ثَمَّةَ ما يخرُجُ عن هذا الأصل، لَجَاءَ صريحًا، ولَاعْتَبَرَهُ الصحابةُ والتابعونَ ناسخًا للأمرِ بتخميسِ الغنيمة، ولَعَمِلَ الخلفاءُ به بعدَ ذلك، ويدُلُّ على بقاءِ الحُكْمِ ما جاءَ في "السُّننِ"؛ مِن حديثِ عدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ (1)، وعمرِو بنِ عَبَسَةَ (2)؛ أنَّ الرسولَ قال يومَ حُنَيْنٍ - وقد أَمْسَكَ وَبَرَةً مِن سَنَامِ بَعِيرٍ بينَ إصبعَيْهِ -:(إِنَّهُ لَيْسَ لِي مِنَ الْفَيْءِ شَيْءٌ، وَلَا هَذِه، إِلَّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ)، ورواهُ أحمدُ عن عُبادةَ (3)، ومالكٌ عن عمرِو بنِ شعيب (4).
(1) أخرجه النسائي (3688).
(2)
أخرجه أبو داود (2755).
(3)
أخرجه أحمد (5/ 319).
(4)
أخرجه مالك في "الموطأ"(2/ 457).
وهو صريحٌ في بقاءِ الحُكمِ يومَ حُنينٍ، وأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لا يَملِكُ غيرَ الخُمُسِ.
ويعضُدُ ذلك ويُستأنَسُ بما رواهُ الشافعيُّ؛ قال: "أخبَرَنا بعضُ أصحابِنا، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَعطى الأَقْرَعَ وأصحابَهُ مِن خُمُسِ الخُمُسِ"(1).
وأمَّا كثرةُ المالِ الذي أعطاهُ، فقد أَعطَى الأَقرَعَ بنَ حابِسٍ، وعُيَيْنَةَ بنَ حِصْنٍ، وحَكِيمَ بنَ حِزَامٍ، وأبا سُفْيانَ بنَ حَرْبٍ، وابنَهُ مُعاويةَ، والحارتَ بنَ هشامٍ، وسُهَيلَ بنَ عمرٍو، وحُوَيْطِبَ بنَ عبد العُزَّى، وصَفْوَانَ بنَ أُمَيَّةَ مئةَ بَعِيرٍ، ومالكَ بنَ عَوْفٍ، والعلاءَ بنَ جَارِيَةَ الثَّقَفِيَّ حَلِيفَ بَني زُهْرةَ، وغيرَهم مِئَةً مِن الإبل، وأَعطَى عيرَهم أقَلَّ مِن المِئَة، وقد اختلَفَتْ كُتُبُ السِّيَرِ في عددِ مَن تألَّفَ قلْبَه مِن قريشٍ وغَطَفَانَ وتميمٍ وبَني قيسٍ وثقيفٍ وغيرِهم مِن الغنيمة، وقد ذكَرَ ابنُ هشامٍ تسعةً وعشرينَ رجلًا، ولو جُمِعَ صحيحُ الرِّواياتِ وضَعيفُها، فإنَّهم لا يَبلُغُونَ ستِّينَ رجلًا، ولم يُساوِهم جميعًا في العطاء، وغنائمُ حُنَيْنٍ عظيمةٌ، وقد قيل: إنَّها فوقَ أربعةٍ وعشرينَ ألفًا مِن الإبل، ومِن الغنمِ قريبُ الضِّعْفِ مِن الإبل، وبضعةُ آلافٍ مِن أَوَاقِي الفِضَّةِ والسَّبْي، والخُمُسُ مِن الإبلِ خاصَّةً - الذي يَملِكُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وَضْعَهُ فيما يراهُ -: عظيمٌ، وَيستوفي ذلك العَدَدَ ويَزيدُ.
وأمَّا ما جاءَ في "الصحيحَينِ"، عن أنسِ بنِ مالكٍ؛ أنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم أعطَى الطُّلَقَاءَ والمُهاجِرينَ، ولم يُعْطِ الأنصارَ شيئًا (2)، فظاهرٌ أنَّهم لم يُعطَوْا شيئًا مِن النَّفَل، وهو الخُمُسُ، وليس بصريحٍ أنَّهم لم يُعطَوْا مِن
(1) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(6/ 337).
(2)
أخرجه البخاري (4333)، ومسلم (1059).