الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لأبي هريرةَ؛ كما يحكي بعضُ الأئمَّةِ عن أبي هريرةَ في المسألةِ قولَيْنِ.
ورُوِيَ مِثلُ هذا الإجمالِ عن عمرَ وعليِّ بنِ أبي طالبٍ وابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمرَ وفبادةَ وأُبَيِّ بنِ كعبٍ وأبي سعيدٍ وعائشةَ، ومنها ما هو معلولٌ، ومنها ما ليس بصريحٍ في الصلاةِ الجهريَّةِ؛ وإنَّما في القراءةِ خلفَ الإمامِ.
سكوتُ الإمامِ ليتمكَّن المأمومُ مِن القراءة:
وجاءَ عن بعضِ السلفِ كابنِ جُبَيْرٍ: أنَّ الإمامَ يسكُتُ لِيَقْرَأَ المأمومُ في الجهريَّةِ؛ وهذا لا يُحفَظُ عن أحدٍ مِن الصحابةِ؛ روى البخاريُّ في "جُزءِ القراءةِ"، عن عبد اللهِ بن عثمانَ بنِ خُثَيْمٍ؛ قال:"قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ سَمِعْتَ قِرَاءَتَهُ، إِنَّهُمْ قَدْ أَحْدَثُوَا مَا لَمْ يَكُونُوا يَصْنَعُونَهُ؛ إِنَّ السَّلَفَ كَانَ إِذَا أَمَّ أَحَدُهُمُ النَّاسَ، كَبَّرَ ثُمَّ أَنْصَتَ، حَتَّى يَظُنَّ أَنَّ مَنْ خَلْفَهُ قَدْ قَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَاب، ثُمَّ قَرَأَ: {وَأَنْصِتُوا} "(1).
وصحَّ عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ قولُهُ: "لَيْسَ خَلْفَ الْإِمَامِ قِرَاءَةٌ"(2).
ولا أعلَمُ أحدًا مِن الصحابةِ أوجَبَ على الإمامِ السكوتَ ليتمكَّنَ المأمومُ مِن القراءة، ولا أنْ يَتحيَّنَ المأمومُ سَكَتاتِ الإمامِ ليَقْرَأَ؛ وهذا الأمرُ لو كان في عَمَلِهم، لَنُقِلَ ولَظهَرَتْ شكوى الناسِ فيه؛ فقد كانوا يَشْتَكُونَ مِن طولِ صلاةِ بعضِ أئمَّتِهم ونوعِ ما يَقْرَؤونَ، ولم يَثبُتْ أنَّهم تكلَّموا بهذا، ولا اشتكَى الصحابةُ ولا التابعونَ للصحابةِ مِن عدمِ قراءتِهم في سَكَتاتِ أئمَّتِهم أو عدمِ سكوتِ أئمَّتِهم، مع كثرةِ المتعلِّمينَ
(1) أخرجه البخاري في "القراءة خلف الإمام"(164).
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(3792).
والمصلِّينَ، ومِثلُ هذا الحُكْم في تتبُّعِ المأمومِ لِسَكَتاتِ الإمامِ عملٌ دقيقٌ لا يَعلَمُهُ كلُّ أحدٍ، ويجبُ ألَّا يُترَكَ بيانُه.
وما جاء في بعصِ الآثارِ والأحايثِ مِن القراءةِ خلفَ الإمامِ إذا أنصَتَ، والسكوتِ إذا قرَأَ، يحمِلُهُ بعضُهم على القراءةِ حالَ سَكَتاتِ الإمام، والمقصودُ منه التفريقُ بينَ الصلاةِ الجَهْريَّةِ والسرِّيَّة، وركَعاتِ الجهرِ والسرِّ مِن العِشَاءِ والمَغْربِ.
وقد جاءَ سكوتُ الإمامِ عن بعضِ التابعينَ؛ كسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ ومكحولٍ وأبي سلمةَ بنِ عبد الرحمنِ وعُرْوةَ وعطاءٍ.
وبقراءةِ المأمومِ الفاتحةَ في سكَتاتِ الإمامِ قال الشافعيُّ كما نقَلَهُ عنه البُوَيْطِيُّ.
فأمَّا كلامُ سعيدِ بنِ جُبيرٍ، فتقدَّمَ، وابنُ خُثَيْمٍ متكلَّمٌ فيه معِ صدقِه، ولم يُحدِّثْ عنه يحيى وعبدُ الرحمن، ومَنْ هم أوثَقُ مِن ابنِ خُثَيْمٍ يَرْوُونَ عن سعيدٍ عدمَ القراءةِ خلفَ الإمامِ؛ كما رواهُ هُشَيْمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَام، قَالَ:"لَيْسَ خَلْفَ الْإمَامِ قِرَاءَةٌ"؛ رواهُ ابنُ أبي شيبةَ (1).
وهُشَيْمٌ بصيرٌ بالموقوفات، وهذا السَّنَدُ على شرطِ الشيخَيْنِ.
ثم إنَّ قولَ سعيدٍ السابقَ لم يَنسُبْهُ لأحدٍ مِن السلف، وربَّما قصَدَ كبارَ التابعينَ؛ فسعيدٌ ليس مِن طبقةِ التابعينَ المتقدِّمةِ.
وأمَّا كلامُ مكحولٍ، فرواهُ أبو داودَ إثرَ حديثِ عُبادةَ، قال مكحولٌ: "اقْرَأُ بِهَا -يعني الفاتحةَ- فِيمَا جَهَرَ بِهِ الْإِمَامُ إِذَا قَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسَكَتَ سِرًّا، فَإِنْ لَمْ يَسْكُتِ اقْرَأُ بِهَا قَبْلَهُ وَمَعَهُ وَبَعْدَهُ، لَا تَتْرُكْهَا
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(3792).
عَلَى كُلِّ حَالٍ" (1).
ومكحولٌ يؤكِّدُ ذلك ولا يُوجِبُهُ، وقد كان الأوزاعيُّ بصيرًا برأيِ مكحولٍ وعُبَادةَ بنِ الصامتِ في القراءةِ في الصلاة، ولم يكنْ يُوجِبُ قراءةَ المأمومِ في الجهريَّةِ؛ وإنَّما يَستحِبُّها، وقد كان الأوزاعيُّ يقولُ:"أَخَذْتُ الْقِرَاءَةَ مَعَ الْإِمَامِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِت، وَمَكْحُولٍ"(2).
وأمَّا ما جاءَ عن أبي سلمةَ، فهو قولُه:"لِلْإِمَامِ سَكْتَتَان، فَاغْتَنِمُوا الْقِرَاءَةَ فِيهِمَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ"؛ رواهُ عنه البخاريُّ في "جزئِه"، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عنه (3).
وفي القراءةِ في سَكَتاتِ الإمامِ حديثٌ مرفوعٌ عن عبد اللهِ بنِ عمرٍو، ولا يَثبُتُ.
وأمَّا كلامُ عُرْوةَ، فرواهُ عنه إبراهيمُ بن أبي يحيى، عن شَرِيكِ بنِ أبي نَمِرٍ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيْرِ؛ قال:"إِذَا قَالَ الْإِمَام: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7]، قَرَأْتُ بِأُمِّ الْقُرْآن، أَو بَعْدَمَا يَفْرُغُ مِنَ السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا"(4)، وابنُ أبي يحيى مُتَّهَمٌ، والثابتُ عن عُرْوةَ ما يَرويهِ ابنُهُ هشامٌ عنه؛ قال:"اسْكُتُوا فِيمَا يَجْهَرُ، وَاقْرَؤُوا فِيمَا لَا يَجْهَرُ"؛ كما رواهُ ابن أبي شيبةَ (5).
وأصحُّ ما جاءَ في ذلك وأرفَعُهُ فقهًا: ما جاء عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ؛ كما رواهُ عبدُ الرزَّاق، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عنه؛ قال: "إِذَا كَانَ الْإِمَامُ يَجْهَرُ، فَلْيُبَادِرْ بِأُمِّ الْقُرْآن، أَو لِيَقرَأُ بَعْدَمَا يَسْكُتُ، فَإِذَا قَرَأَ،
(1) أخرجه أبو داود (825).
(2)
أخرجه ابن عبد البر في "الاستذكار"(4/ 235)، و "التمهيد"(11/ 39).
(3)
أخرجه البخاري في "القراءة خلف الإمام"(165).
(4)
أخرحه عبد الرزاق في "المصنف"(2791).
(5)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(3767).
فَلْيُنْصِتُوا كَمَا قَالَ اللهُ عز وجل" (1).
وعطاءٌ يَستحِبُّ ذلك ولا يُوجِبُهُ، فهو يُخيِّرُ مَن لا يَسمَعْ الإمامَ في الجهريَّةِ بينَ القراءةِ والتسبيح؛ كما رواهُ عنه ابن جُرَيْجِ نفسُهُ؛ حيثُ قال:"إِذَا لَمْ تَفْهَمْ قِرَاءَةَ الْإِمَام، فَاقْرَأُ إِن شِئْتَ أَو سَبِّحْ"؛ أخرَجَهُ عبدُ الرزَّاقِ (2)، وروى بهذا الإسنادِ عنه؛ قال:"يُجْزِي قِرَاءَةُ الْإِمَامِ عَمَّنْ وَرَاءَهُ، قُلْتُ: عَمَّن تَأْثِرُهُ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ، وَلَكِنَّ الْفَضَائِلَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ تَأْخُدُوا بِهَا، أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ تَقْرَؤُوا مَعَهُ"(3)، وعن ابنِ جُرَيْجٍ أيضًا؛ قال: قُلْتُ لِعَطَاءٍ أَيُجْزِي عَمَّنْ وَرَاءَ الْإِمَامِ قِرَاءَتُهُ فِيمَا يَرْفَعُ بهِ الصَّوْتَ وَفِيمَا يُخَافِتُ؟ قَالَ: نَعَمْ (4).
والقولُ بأنَّ عطاءً يُوجِبُ القراءةَ خلفَ الإمامِ؛ لقولِهِ بالقراءةِ في السَّكَتاتِ - تلفيقٌ بينَ أحدِ أقوالِه مع قولِ غيرِه؛ وهذا لا يستقيمُ لعارفٍ بالرِّواية، ولا بصيرٍ بالدِّرايةِ.
ومَن تأمَّلَ أقوالَ الصحابةِ والتابعين، وجَدَ أنه لا يثبُتُ عن واحدٍ منهم إبطالُ الصلاةِ بتركِ القراءةِ خلفَ الإمامِ؛ وهذا يدُلُّ على أنَّهم لم يكونوا يَحمِلونَ حديثَ الأمرِ بقراءةِ الفاتحةِ والقولَ بركنيَّتِها على الصلاةِ الجهريَّة، وأنَّ عامَّتَهُمْ على عدمِ القراءةِ فيها للمأمومِ.
وبعدمِ القراءةِ خلفَ الإمامِ في الجهريَّةِ يُفتي أئمَّةُ الفُتْيا مِن التابعينَ؛ صحَّ عن أئمَّةِ المدينةِ؛ كابنِ المسيَّبِ وعُرْوةَ، وأئمَّةِ الكوفةِ؛ كسُوَيْدِ بنِ غَفَلَةَ، وسيدِ بنِ جُبَيْرٍ، والأَسْوَدِ؛ فقد رَوَى عه النخَعيُّ قولَهُ: "لَأَنْ أَعَضَّ عَلَى جَمْرَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ أَعْلَمُ أَنَّهُ
(1) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(2788).
(2)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(2779).
(3)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(2816).
(4)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(2818).
يَقْرَأُ" (1).
وأمَّا إيجابُ القراءةِ لظاهرِ حديثِ عُبَادَةَ في "الصحيحَيْنِ": (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)(2)، ونحوِه في مسلمٍ، عن أبي هريرةَ:(مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآن، فَهِيَ خِدَاجٌ - ثَلَاثا - غَيْرُ تَمَامٍ)(3)، فذلك هو الأصلُ، وهو وجوبُ قراءةِ الفاتحة، وهو الأغلبُ في الصلواتِ؛ لأنَّ غالبَ الصلواتِ سرِّيَّةٌ لا جهريَّةٌ، وحتى الجهريَّةُ لا تَسقُطُ الفاتحةُ عن الإمام، فهي واجبةٌ لكلِّ صلاةٍ وكلِّ ركعةٍ، ومقامُ الإمامِ في الجهريَّةِ مقامُ المَأمومِ وهو نائبُهُ فيها، فهو يَقرَأُ والمأمومُ يُنصِتُ، وللمأمومِ أجرُ ما عقَلَ مِن سماعِه؛ كما أنَّ للإمامِ ما عقَلَ مِن قراءتِه، والمأمومُ يُؤَمِّنُ بعدَ الفاتحةِ مع الإمام، والمُؤَمِّنُ كالدَّاعي، كما جعَلَ اللهُ هارونَ داعيًا وهو يُؤَمِّنُ مع موسى؛ كما قال تعالى:{وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} [يونس: 88 - 89].
والنصوصُ تتعلَّقُ بالأغلب، وأغلبُ الصلاةِ تجبُ فيها؛ كنوافلِ الرَّواتِب، فهي في اليومِ اثنتَا عَشْرةَ ركعةً، ويَزِيدُ في ذلك صلاةُ الضُّحَا، وتحيَّةُ المسجد، وقيامُ الليل، والفرائضُ تجبُ في جميعِها على الإمام، وفي السِّرِّيَّةِ على الجميعِ على الصحيح، والناظرُ لصلاةِ المرأةِ كلِّها جُلُّها في بيتِها ويجبُ عليها القراءةُ فيها جميعًا، وكلُّ منفرِدٍ مِن الرِّجالِ مِثْلُها لفَرْضِهِ ونَفْلِه، واستثناءُ الجهريَّةِ مِن إيجابِ القراءةِ لا يُلْغي الحُكْمَ،
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(3785).
(2)
أخرجه البخاري (756)، ومسلم (394).
(3)
أخرجه مسلم (395).
ولا يُعطِّلُ العملَ بحديثِ عُبادةَ وأبي هُرَيْرةَ؛ وإنَّما هي عامَّةٌ دخَلَها التخصيصُ.
وأمَّا حديثُ عُبادةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ (لَعَلَّكمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ)، قُلْنَا: نَعَمْ، هَذًّا يَا رَسُولَ الله، قَالَ:(لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ؛ فَإِنَّه لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا)، فرواهُ أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ؛ مِن حديثِ محمدِ بنِ إسحاقَ، عن مكحولٍ، عن محمودِ بنِ الرَّبيع، عن عُبَادةَ (1)، فالحديثُ في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ الزُّهْريّ، عن محمودِ بنِ الربيع، عن عُبادةَ؛ بلفظِ:(لَا صَلَاةَ لِمَنْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكَتَابِ)(2)، وليس فيه هذه الزِّيادةُ.
وقال الترمذيُّ: هذا أصَحُّ (3).
وابن إسحاقَ تفرَّدَ بهذه اللفظةِ بهذا الإسنادِ.
وحديث عُبادةَ يَرويهِ الزُّهْريُّ، وهو أعلَمُ الناسِ بألفاظِ ما يَرويهِ وأحكامِه الفقهيَّة، وهو يُفتي بعدمِ القراءةِ خلفَ الإمامِ في الجهريَّة، كما رواهُ عنه مَعْمَرٌ (4)، ولو صحَّ عنه المعنى في حديث عُبادةَ أو صَحَّ عندَهُ ما رواه ابنُ إسحاقَ، لَعَمِلَ به.
وفي حديثِ مكحولٍ اضطرابٌ أيضًا، فتارةً يَرويهِ عن محمودِ بنِ الربيع، ومرَّةً عن ابنِه نافعِ بنِ محمودٍ، ومرَّةً عن عُبادةَ بنِ الصامتِ؛ وهذا لا يُحتمَلُ في مثلِ هذا الحديثِ.
وقد ضعَّفَ حديثَ عُبادةَ أحمدُ وابن عبد البَرِّ وغيرُهما.
(1) أخرجه أحمد (5/ 316)، وأبو داود (823)، والترمذي (311).
(2)
سبق تخريجه.
(3)
"سنن الترمذي" إثر حديث رقم (311).
(4)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(2784).
وله طريقٌ أُخرى عندَ أحمدَ؛ مِن حديثِ خالدٍ الحَذَّاء، عن محمدِ بنِ أبي عائشةَ، عن رجلٍ مِن أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، مرفوعًا؛ قال:(لَعَلَّكُمْ تَقرَؤُونَ وَالإِمَامُ يَقْرَأُ) - مَرَّتَيْن، أَو ثَلَاثًا - قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إِنَّا لنَفْعَلُ، قَالَ:(فَلَا تَفْعَلُوا، إِلَّا أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُكُمْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)(1).
وقد خالَفَ أيُّوبُ فيها خالدًا الحذَّاءَ، فرواهُ عن أبي قلابةَ وأرسَلَهُ كما رواهُ البخاريُّ في "التاريخِ"(2)، وهو أصحُّ؛ فأيوبُ أثبَتُ مِن خالدٍ.
ورجَّحَ الإرسالَ الدارقطنيُّ (3).
وصوَّبَ أبو حاتمٍ الوصلَ عن خالدٍ، عن أبي قلابةَ، عن محمدٍ، به، لكنَّه لم يذكُرْ مَتْنَهُ (4).
ولو صَحَّ مسنَدًا؛ كما رواهُ أحمدُ (5)، والبخاريُّ في "التاريخِ"(6)، عن إسماعيلَ، وابنُ أبي شيبةَ عن هُشَيْمٍ (7)؛ كلاهُما عن خالدٍ الحذَّاءِ؛ أنه سأَل أبا قِلابةَ: ممَّن سَمِعَهُ؟ فقال: مِن محمدِ بنِ أبي عائشةَ -: فقد ساقَ المتنَ أحمدُ في "عِلَلِه"، وأحالَهُ إلى متنِ المُرسَل، وفيه:"فَلَا تَفْعَلُوا"، وليس فيه:"إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ"، والبخاريُّ لم يَذكُرْ مَتْنَه.
وليس فيه أيضًا تصريحُ روايةِ محمدِ بنِ أبي عائشةَ عن أحدٍ، وقد يكون عنه مرسَلًا، ولو صحَّتْ، لَمَا ترَكَ البخاريُّ الاحتجاجَ بها ولو معلَّقةً كعادتِه.
(1) أخرجه أحمد (4/ 236).
(2)
"التاريخ الكبير" للبخاري (1/ 207)(647).
(3)
"علل الدارقطني"(12/ 237).
(4)
"علل الحديث" لابن أبي حاتم (2/ 445).
(5)
"العلل ومعرفة الرجال" لأحمد، رواية ابنه عبد الله (2/ 408)(2825 و 2826).
(6)
"التاريخ الكبير" للبخاري (1/ 207)(647).
(7)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(3757).
ورواهُ أبو يَعْلَى، عن مَخْلَدِ بنِ أبي زُمَيْلٍ؛ ثنا عُبيدُ اللهِ بن عمرٍو الرَّقِّيُّ، عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ، عن أنسٍ؛ بنحوِه (1).
وهو غلطٌ جرَى فيه على الجادَّة، والصحيحُ فيه عن أيوبَ المرسَلُ، وقال البخاريُّ:"لا يصحُّ عن أنسٍ"(2)، ومع أنَّ البخاريَّ يقولُ به، فأَعَلَّهُ؛ لأنَّ مِثلَهُ لا يُنتصَرُ به؛ لشذوذِهِ.
والخطأُ فيه مِن عُبَيْدِ اللهِ؛ كما قالهُ البخاريُّ، وأبو حاتمٍ (3)، وابنُ عديِّ (4)، واللهُ أعلَمُ.
* * *
قال تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: 205].
جاءت هذه الآيةُ بعد الأمرِ بالإنصاتِ عندَ سَماعِ القرآن ممَّن يَتلُوه، ثم ذَكَرَ تلاوةَ الإنسانِ للقرآن في نَفْسِه لنفسِه، فكما تُشرَعُ قراءتُه للسامِعِين، فتُشرَعُ قراءتُه للنَّفْس، وأمَرَ اللهُ بالتضرُّعِ والخشيةِ عندَ قراءتِه، وهذا يتضمَّنُ الأخذَ بأسبابِ ذلك؛ مِن التَّغَنِّي بالقرآن، وتدبُّرِ معانيه، وحضورِ القلبِ معها.
وظاهِرُ الآيةِ: أنه تُشرَعُ قراءةُ القرآنِ مع تذلُّلٍ وخشوعٍ لا مع لَهْوٍ ولَعِبٍ وضحكٍ، فالتضرُّعُ هو التذلُّل، ويكونُ هذا في الذِّكْرِ والدُّعاءِ جميعًا، كما في قولِه تعالى:{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55].
(1) أخرجه أبو يعلى في "مسنده"(2805).
(2)
"التاريخ الكبير"(1/ 207).
(3)
"علل الحديث" لابن أبي حاتم (2/ 445).
(4)
"الكامل في ضعفاء الرجال"(3/ 129).