الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة التوبة
سورةُ بَراءةَ مدَنيَّةٌ، وهي كاشفةٌ لأحوالِ المُنافِقينَ الظَّاهِرةِ والباطِنة، ولم يَكُنْ في مَكَةَ قبلَ الهجرةِ نِفَاقٌ؛ فهو إمَّا كفرٌ، وإمَّا إيمانٌ؛ وذلك لِضَعْفِ المُسلِمينَ وقوَّةِ الكُفرِ؛ لأنَّ النِّفاقَ إخفاءُ الإنسانِ ما لا يًظهِرُه، ودافِعُ ذلك الخوفُ، فإذا أمِنَ المُنافِقُ مِن تَبِعَةِ قولِهِ وفِعلِه، أظهَرَه، وكلَّما كان المُسلِمونَ أَقْوى، كان النِّفاق أَخْفى؛ ولذا قال حُذَيْفةً بن اليَمَانِ:"إِن المُنَافِقِينَ اليَوْمَ شَرٌّ مِنْهُمْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ كَانُوا يَوْمَئِذٍ يُسِرُّونَ، وَاليَوْمَ يَجهَرْونَ"، رواهْ البُخاريُّ (1).
سببُ النِّفاقِ:
وسببُ النِّفاقِ: هو حبُّ الدُّنيا؛ ولهذا لم يَكُنْ في المهاجِرينَ مُنافِقٌ؛ لأنَّهم خرَجُوا مِنَ الدُّنيا وترَكُوها، وكان النِّفاقُ في أهلِ المدينةِ؛ لأن الإسلامَ أتاهُم وهم على دُنياهم ولم يَخرُجُوا إليه كالمُهاجِرِين، فأَخرَجَتْ مكَّةَ أَصْفَى أهلِها وأزْكاهم قلوبًا؛ وهم المُهاجِرون، وكان في أهلِ المديةِ مُؤمِنون، وهم الأكثرُ، وفيهم مُنافِقون، يتَفاوَتونَ في نِفاقِهم وشَرِّهم.
نُزُولُ بَرَاءةَ وأسماؤُها وإحكامُها:
وسورة بَرَاءةَ مِن أواخِرِ ما نزَلَ على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ قال البَرَاءُ: "آخِرُ
(1) أخرجه البخاري (7113).
سُورَةٍ نَزَلَت: بَرَاءَةً، وَآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ:{يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} [النساء: 176] "؛ رواهُ الشَّيْخانِ (1).
وقد كان نزولُها متأخِّرًا، وليس جميعُها آخِرَ ما نزَلَ؛ وإنَّما بعضُ آياتِها، فقد كان نُزولُ أوَّلِها في فتحِ مَكَّةَ، وبعضُ آياتِ المائدةِ في حَجَّةِ الوَداع، وهو قولُهُ تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3].
وقد قال عُثمانُ بن عفَّانَ: "كَانَت بَرَاءَةُ مِنْ آخِرِ القُرْآن"؛ رواهُ أحمدُ وأهلُ السُّنَنِ (2).
واختَصَّتْ سورةُ براءةَ بالتمييزِ بينَ الصفوتِ وعَقدِ الوَلَاءِ لأهلِ الإيمان، والبَرَاءِ مِن أهلِ الكُفْرِ والنِّفاق، وكشَفَتْ دَخِيلَ الأفعالِ والأقوال، وعلاماتِ الدُّخَلاءِ على صفِّ المُسلِمينَ، ولهذا كان ابنُ عبَّاسِ يُسمِّيها الفاضِحةَ؛ كما رَوَى الشَّيْخان، عن سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ؛ قال:"قلتُ لابنِ عبَّاسِ: سُورَةُ التَّوْبَةِ؟ قَالَ: التَّوْبَةُ هِيَ الفَاضِحَةُ، مَا زَالَت تَنْزِلُ: وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ، حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهَا لَنْ تُبْقِيَ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا ذُكِرَ فِيهَا"(3).
وكان عمرُ بن الخَطَّابِ وحُذَيْفةُ يُسمِّيانِها سورةَ العَذَابِ؛ لِما فيها مِن تشديدٍ على أهلِ الزَّيْغ، ووعيدِ بالعَذَابِ العاجِلِ والآجِلِ لهم؛ كما رَوَى سعيدُ بن جُبَيْر، عنِ ابنِ عبَّاسِ رضي الله عنه، قال: "قيلَ لعُمَرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه: سورةُ التَّوْبةِ؟ فقال: أيَّة سورةُ التَّوْبةِ؟ ! قالوا: بَراءَةُ، قال: هي إلى أن تَكُونَ سورةَ العَذَابِ أدنى مِن أنْ تَكُونَ سورةَ التَّوْبةِ؛ ما
(1) أخرجه البخاري (4605)، ومسلم (1618).
(2)
أخرحه أحمد (1/ 57)، وأبو داود (786)، والترمذي (3086)، والنسائي في "السنن الكبرى"(7953).
(3)
أخرجه البخاري (4882)، ومسلم (3031).