الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والتابِعينَ في ظاهرِ عملِهم، وهو قولُ اللَّيثِ وربيعةَ، وقال به المُزَنيُّ وغيرُه.
وقد فسَّرَ ابنُ عبَّاسِ الرَّجسَ في هذه الآيةِ بالسَّخَطِ مِن الله، وفسَّرَه عبدُ الرحمنِ بن زيدٍ بالشرِّ (1).
ويعضُدُ أنَّ المرادَ بالرِّجسِ النجاسةُ المعنويَّةُ: أنَّ اللهَ قرَنَ بالخمرِ مِن المحسوساتِ ما لم يَقُلْ أحدٌ من السلفِ بنجاسةِ عينِها، وهي (الأنصابُ والأزلامُ)؛ فيجوز تكسيرُ الأنصابِ والانتفاعُ بعينِها سقفًا للبيوتِ وأعنابًا لها، وجعلُها أريكةَ وسريرًا، كما يجوزُ الاستفادةُ من أقدَاحِ الأزلامِ بجعلِها أوانيَ للشُّربِ أو لِسَقي الدوابِّ والطيورِ أو غيرِ ذلك، ولو كانت نجسةٌ بعينِها، لَوَجَبَ رميُها؛ للتنجُّسِ بمسِّها.
والرِّجسُ والنَّجَسُ لفظان يُطلَقانِ على النجاسةِ الحسيَّةِ والمعنوَيَّة، والسياقُ يُبيِّن الحُكْمَ؛ فأما الرِّجسُ، فتقدَّمَ، وأمَّا النجاسةُ الحسيَّةً، فمعلومةٌ مستفيضةٌ، وأمَّا المعنويَّةُ، فمنه قولُهُ تعالى:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28].
معنى الخمرِ:
والخمرُ: ما أُعِدَّ للسُّكر، وأمَّا وجودُ مادَّتِهِ ممَّا يُصنَع للشُّربِ وليس مهيَّأ له إلَّا بإضافةِ غيرِهِ إليه، فلا يُعَدُّ خمرًا يحرُمُ اقتناؤُه، وهو كاقتِناءِ العِنبِ والتَّمرِ والدُّبَّاءِ الذي لم يَتخمَّر، ومِثلُهُ الأطيابُ الكحوليَّةُ، فما كان منها غيرَ مُعَدِّ للشُّربِ على صورتِهِ الحاليَّة، فليس بخمرِ ولو وُجِدَ في تحليلِهِ كحول؛ لأنَّه في صورتِهِ غيرُ خمرٍ؛ إذ لو شَرِبَهُ أحدٌ على هيئتِهِ تلك، لمات أو مَرِضَ بسُمِّ ونحوِ ذلك، ولأنَّه لا يكونُ خمرًا يُشرَبُ إلَّا بإضافةِ غيرِهِ إليه.
(1)"تفسير الطبري"(8/ 656).
وما كان مِن العطورِ كحولًا يُشرَبُ في صورتِهِ التي يُباعُ عليها بلا حاجةِ لإضافةِ مادَّةٍ، وإنَّما يُسكِرُ بنفسِهِ عادةً: فيحرُمُ اقتناؤُه أصلًا ولو كان طاهِرًا في ذاتِه؛ لأنَّ اللهَ أمَرَ بالبُعْدِ عنه، فقال، {فَاجْتَنِبُوهُ} ، وأمَّا العطورُ التي تحتاجُ إلى تركيبِ وإضافةٍ مع غيرِها لتُسكِرَ، فليستْ خمرًا، ولا يحرُمُ اقتناؤُها للتعطُّرِ وغيرِ ذلك.
* * *
قال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 93].
نزَلَت هذه الآيةُ في أقوامٍ شَرِبُوا الخمرَ قبلَ نزولِ تحريمِه، وفي حُكمهم: الأقوامُ الذين شَرِبوا الحرامَ وطَعِمُوهُ ثم دخَلُوا الإسلامَ تائبينَ، فتساءَلُوا عمَّا شَرِبُوهُ وطَعِمُوهُ ونبَتَت أجسادُهُم منه، فأنزَلَ الله هذه الآيةَ؛ رفعًا للحَرَج، ودفعًا له عن نفوسِهم.
روى الشَّيخان؛ من حديثِ آنسٍ؛ قال: "كُنتُ سَاقِيَ القَومِ في مَنزِلِ أبِي طَلحَةَ، وَكَانَ خَمرُهُم يؤمَئِذٍ الفَضِيخَ، فَأمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُنادِيًا يُنادِي: (أَلا إنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَت)، قَالَ: فَقَالَ لِي أبو طَلحَةَ: اخرُجْ، فَأَهْرِقْهَا، فَخَرَجتُ فَهَرَقتُهَا، فَجَرَت فِي سِكَكِ المَدِيَنَة، فَقَالَ بَعضُ القَومِ: قَد قُتِلَ قَومٌ وَهِيَ في بُطُونهِم؟ ! فأنزَل الله، {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} "(1).
ويدخلُ في حُكمِهم: كلُّ مؤمنٍ فيما يَطعَمُهُ وَيشرَبُهُ مِن الحلالِ مِن بابِ أولى؛ ولذا قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لابنِ مسعودٍ: (أنتَ مِنهُم)(2).
(1) أخرجه البخاري (2464)(3/ 132)، ومسلم (1980)(3/ 1570).
(2)
أخرجه مسلم (2459)(4/ 1910).